يبدو قرار السماح للطفل بفتح حساب شخصي على منصات التواصل الاجتماعي بسيطًا في ظاهره، لكنه قد تكون له آثار تمتد إلى سنوات لاحقة، وفقًا لدراسة طولية حديثة تابعت أكثر من 5 آلاف طالب في إيطاليا، وكشفت ارتباطًا بين بدء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سن مبكرة وتراجع الأداء الأكاديمي.
وتشير الدراسة إلى أن الطلاب الذين فتحوا أول حساب شخصي لهم على منصات التواصل الاجتماعي في سن 11 أو 12 عامًا سجلوا أداءً دراسيًا أقل في بعض المواد الأساسية مقارنة بزملائهم الذين انتظروا حتى سن 14 أو 15 عامًا.
وبحلول سن 15 و16 عامًا، بلغت الفجوة في الأداء ما يعادل نحو ستة أشهر من التعلم الأكاديمي، وفقًا لنتائج الدراسة المنشورة في دورية «Nature Human Behaviour» في أغسطس 2026.
دراسة على أكثر من 5 آلاف طالب
أجرى الدراسة فريق من الباحثين في جامعة ميلانو-بيكوكا وجامعة بريشيا في إيطاليا، بقيادة عالمَي الاجتماع ماركو جوي وجيوفاني أبياتي، وبمشاركة الباحثة كيارا ريسبي.
وتابع الباحثون 5227 طالبًا في 28 مدرسة بمنطقة شمال إيطاليا، بهدف دراسة العلاقة بين توقيت بدء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأداء الدراسي على المدى الطويل.
وجاء البحث ضمن مشروع حمل اسم EYES UP، واستخدم بيانات استبيانات أجاب عنها الطلاب حول عاداتهم الرقمية، إلى جانب نتائج اختبارات معيارية وطنية أجرتها هيئة التقييم الوطنية الإيطالية «INVALSI».
وشملت الاختبارات عددًا من المهارات الأساسية في اللغة الإيطالية والرياضيات واللغة الإنجليزية.
متى يبدأ تأثير السوشيال ميديا في الظهور؟
ركز الباحثون بصورة خاصة على العمر الذي أنشأ فيه الطلاب أول حساب شخصي لهم على منصات التواصل الاجتماعي.
وأظهرت النتائج أن الطلاب الذين بدأوا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في عمر 11 أو 12 عامًا حققوا نتائج أقل في اللغة الإيطالية والرياضيات مقارنة بالطلاب الذين انتظروا حتى سن 14 أو 15 عامًا.
وبحلول منتصف سنوات المراهقة، أصبحت الفجوة التعليمية كبيرة بما يكفي لتوازي نحو ستة أشهر من التعلم.
أما الطلاب الذين أخروا إنشاء حساباتهم حتى سن 13 أو 14 عامًا، فظهرت لديهم فجوة أصغر، قدرت بنحو ثلاثة أشهر من التعلم مقارنة بمن انتظروا فترة أطول.
ولا تعني هذه النتائج أن كل طفل يبدأ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سن مبكرة سيفقد بالضرورة ستة أشهر من التعلم، وإنما تشير إلى وجود ارتباط إحصائي واضح بين توقيت بدء الاستخدام والأداء الدراسي داخل العينة التي جرى تحليلها.
الرياضيات الأكثر تأثرًا
كانت الرياضيات من أكثر المواد التي ظهر فيها الأثر طويل المدى، ووفقًا للباحثين، لم تختفِ الفجوة في الأداء بمجرد أن أصبح معظم الطلاب في المجموعة يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، بل استمرت الفروق في الرياضيات مع مرور الوقت.
كما سجل الطلاب الذين بدأوا استخدام المنصات في سن مبكرة معدلات أعلى من إعادة السنة الدراسية مقارنة بزملائهم الذين تأخروا في الانضمام إلى منصات التواصل، لكن النتائج لم تكن متشابهة في جميع المواد.
اللغة الإنجليزية تمثل استثناءً
لم يجد الباحثون اختلافًا قابلًا للقياس في نتائج اللغة الإنجليزية بين الطلاب الذين بدأوا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مبكرًا وأولئك الذين انتظروا فترة أطول.
ويرجح الباحثون أن أحد التفسيرات المحتملة لذلك هو الكم الكبير من المحتوى باللغة الإنجليزية الذي يتعرض له المراهقون عبر المنصات العالمية، وهو ما قد يوفر نوعًا من التعلم غير الرسمي للغة.
وبالتالي، فإن وسائل التواصل الاجتماعي قد لا تكون ذات تأثير واحد على جميع المهارات التعليمية، بل يمكن أن تختلف النتائج بحسب طبيعة المادة وطريقة استخدام الطالب للمنصات.
لماذا قد تتراجع درجات الطلاب؟
حدد الباحثون عددًا من الآليات المحتملة التي قد تفسر العلاقة بين الاستخدام المبكر لمنصات التواصل والتراجع في الأداء الدراسي.
أول هذه العوامل هو الوقت، فقضاء ساعات طويلة في تصفح المنصات قد يأتي على حساب الوقت المخصص للمذاكرة وأداء الواجبات المدرسية.
أما العامل الثاني فيرتبط بـالنوم، إذ يمكن لاستخدام الهواتف ومنصات التواصل في ساعات الليل أن يقلل من مدة النوم أو يؤثر في انتظامه، وهو ما قد ينعكس بدوره على قدرة الطالب على التركيز والتعلم.
وهناك عامل ثالث يتعلق بـتجزئة الانتباه، فالإشعارات المتكررة والانتقال المستمر بين التطبيقات والمحادثات والمحتوى القصير قد يجعل فترة المذاكرة أقل تركيزًا، حتى عندما لا يقضي الطالب وقتًا طويلًا فعليًا على الهاتف.
وبعبارة أخرى، لا يتعلق الأمر فقط بعدد الساعات التي يقضيها الطالب أمام الشاشة، وإنما أيضًا بطريقة استخدام هذه الشاشة وتأثيرها في القدرة على الحفاظ على الانتباه.
الباحثون حاولوا استبعاد عوامل أخرى
لزيادة قوة النتائج، لم يكتفِ الباحثون بمقارنة الطلاب بصورة مباشرة، بل أخذوا في الاعتبار مجموعة من العوامل التي يمكن أن تؤثر في التحصيل الدراسي.
وشملت هذه العوامل مستوى القدرة الأكاديمية الأولية، وتعليم الوالدين، وتركيبة الأسرة، والوضع الاجتماعي والاقتصادي.
واستخدم الفريق تصميمًا إحصائيًا للمطابقة بين الطلاب، بحيث تتم مقارنة الطلاب الذين بدأوا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مبكرًا بزملاء مشابهين لهم من حيث عدد من الخصائص الاجتماعية والديموغرافية والأكاديمية.
وهذا الأسلوب يساعد الباحثين على الاقتراب بصورة أكبر من فهم العلاقة بين توقيت استخدام وسائل التواصل والأداء الدراسي، مقارنة بالدراسات التي تعتمد فقط على استبيان واحد يتم إجراؤه في وقت محدد.
ليست الدراسة الأولى
تأتي هذه النتائج في سياق مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تدرس العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأداء التعليمي.
وأشارت مراجعة تحليلية شملت أكثر من 101 ألف مشارك في 28 دراسة إلى وجود علاقة سلبية بين كثافة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأداء الأكاديمي بشكل عام، مع وجود ارتباط إيجابي طفيف في بعض الحالات باكتساب اللغات.
وهذا يعني أن الصورة ليست بسيطة أو أحادية الاتجاه؛ فالتأثير يمكن أن يتغير بحسب طبيعة الاستخدام والمحتوى والمنصة والعمر والمهارة التي يتم قياسها.
أوروبا تشدد القيود على منصات التواصل للأطفال
تأتي الدراسة أيضًا في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى وضع قيود أكبر على استخدام الأطفال والمراهقين لمنصات التواصل الاجتماعي.
وشهدت أوروبا وأستراليا تحركات تشريعية في هذا الاتجاه، وسط مخاوف بشأن تأثير الاستخدام المبكر والمكثف للمنصات الرقمية على التعليم والنوم والتركيز والرفاه النفسي والاجتماعي للأطفال.
وفي هذا السياق، أصبح تحديد السن المناسبة لإنشاء أول حساب شخصي على وسائل التواصل الاجتماعي قضية مطروحة بقوة أمام الأسر والمدارس وصانعي السياسات.
هل يعني ذلك منع الأطفال من السوشيال ميديا؟
لا تقدم الدراسة إجابة بسيطة من نوع «نعم» أو «لا»، فالباحثون أنفسهم يشيرون إلى أن الارتباط الإحصائي لا يعني أن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب الوحيد أو المباشر في تراجع الأداء لدى كل طالب.
وقد تتداخل عوامل أخرى، مثل نمط الحياة والأسرة والمدرسة والخصائص الشخصية للطفل وطريقة استخدام التكنولوجيا.
لكن الدراسة تقدم مؤشرًا مهمًا للآباء: العمر الذي يبدأ فيه الطفل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون عاملًا يستحق الاهتمام، وليس مجرد قرار تكنولوجي عابر.
كما أن تأخير إنشاء الحساب الشخصي قد يمنح الطفل فترة إضافية يستطيع خلالها تطوير مهارات الدراسة والتركيز وإدارة الوقت قبل الدخول إلى عالم رقمي شديد الجاذبية.
الهاتف ليس المشكلة وحده.. بل ما يزاحمه
لا تكمن القضية بالضرورة في وجود الهاتف أو منصات التواصل في حياة الطفل، وإنما في الأشياء التي قد تحل محلها.
فإذا أدى استخدام المنصات إلى تقليص وقت النوم، أو إهمال الواجبات، أو تقليل القراءة، أو تشتيت الانتباه أثناء المذاكرة، فإن التأثير يمكن أن يظهر في الأداء الأكاديمي.
أما إذا كان الاستخدام محدودًا ومنظمًا ولا يتعارض مع النوم والدراسة والنشاط البدني والتفاعل الاجتماعي المباشر، فقد تكون الصورة مختلفة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يواجه الأسرة ربما لا ينبغي أن يكون فقط: «في أي عمر نسمح لطفلنا باستخدام السوشيال ميديا؟»، وإنما أيضًا: «كيف سيستخدمها؟ وكم من وقته ستأخذ؟ وماذا ستزيح من حياته اليومية؟»
وتشير نتائج الدراسة إلى أن تأخير البداية قد يوفر هامشًا إضافيًا لحماية المسار الدراسي في سنوات المراهقة المبكرة، لكن تحديد السياسة الأنسب لكل طفل يظل بحاجة إلى مراعاة العمر وطبيعة الاستخدام والبيئة الأسرية والتعليمية.
وفي النهاية، لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا نفسها بقدر ما تكمن في التوقيت ومدة الاستخدام وطريقته؛ فحين يدخل عالم التواصل الاجتماعي إلى حياة الطفل في وقت مبكر جدًا، قد لا يسرق منه درجاته مباشرة، لكنه قد يسرق شيئًا أكثر هدوءًا وأهمية: الوقت الذي كان يمكن أن يتحول إلى نوم أفضل، وتركيز أطول، ومذاكرة أكثر، وتعلم فعلي.
