تُعدّ الدلافين من أكثر الحيوانات ذكاءً على كوكب الأرض، إذ تعيش في مجموعات اجتماعية عالية التنظيم، وتتميّز بالتعاطف والوعي الذاتي، فضلًا عن مهارات حل المشكلات واستخدام الأدوات.
تتواصل الدلافين باستخدام مجموعة متطورة من النقرات ولغة الجسد والصافرات، وتُعرف “صافرات التوقيع” (SWs) بأنها أسماء مميزة للأفراد.
توصلت أبحاث حديثة، أجراها علماء من معهد وودز هول لعلوم المحيطات ومؤسسات شريكة، إلى وجود اتصالات محتملة شبيهة باللغة بين الدلافين.
ركز البحث على “الصفارات غير المميزة” (NSWs)، والتي وجد الباحثون أنها قد تؤدي وظيفة الكلمات في التواصل بين عدة دلافين. وقد حظيت هذه الصفارات باهتمام بحثي أقل مقارنةً بصفارات التوقيع.
وقالت عالمة الأحياء ليلى صايغ، قائدة فريق البحث في معهد وودز هول، في بيان صحفي: “لطالما أذهلت دلافين الأنف الزجاجي الباحثين المعنيين بتواصل الحيوانات. ولولا جهود برنامج أبحاث دلافين ساراسوتا، المستمرة منذ أكثر من خمسين عامًا، لما كانت لدينا هذه المكتبة الصوتية الثرية. وبفضلها أصبح بإمكاننا دراسة الصفارات غير المميزة، التي قد تمثل كلمات مفهومة بين أفراد مختلفين من الدلافين”.
وقد فاز فريق البحث، الذي يضم باحثين من معهد وودز هول وبرنامج أبحاث دلافين ساراسوتا التابع لحديقة حيوان بروكفيلد في شيكاغو، بجائزة “تحدي كولر دوليتل” الأولى عن هذا العمل.
تُشكّل الصفارات غير المميزة نحو نصف الأصوات التي تصدرها الدلافين في مياه ساراسوتا بولاية فلوريدا.
وعلى غرار الأسماء البشرية، تُستخدم صافرات التوقيع للتعرف على الأفراد. أما الصفارات غير الموقعة، فلم يبدأ الباحثون دراستها إلا مؤخرًا، ويُعرف عنها القليل حتى الآن. ومع ذلك، رُصدت أنواع نمطية متنوعة من هذه الصفارات بشكل واسع.
استخدم فريق البحث تجارب إعادة التشغيل في البرية لتحديد نماذج مميزة من الصفارات تُستخدم من قبل العديد من الدلافين.
ومن بين ما درسه الباحثون، صفارة “NSWA”، التي وُجد أنها تثير استجابات تجنّب، ما يشير إلى أنها قد تؤدي وظيفة تحذيرية. أما الصفارة “NSWB”، فتنتجها الدلافين عادةً استجابةً لمواقف غير متوقعة، ما يرجّح أنها تُستخدم للاستفسار.
وقد لاحظ الفريق أن صوت NSWB يظهر استجابةً لإعادة تشغيل غير متوقعة لصفارات التوقيع، مما يدعم فرضية وظيفتها كوسيلة للتساؤل عن الموقف.
وجرى وضع علامات صوتية رقمية وهيدروفونات غير جراحية على الدلافين أثناء تقييمات صحية دورية لتسجيل أصوات أفراد معروفين.
كتب الباحثون: “أنشأنا مكتبة فريدة لأصوات دلافين قارورية الأنف (Tursiops truncatus) المقيمة، والتي تضم 170 دولفينًا. وقد فهرسنا صافرات التوقيع التي تُشبه الأسماء لمعظم الحيوانات، مما مكّننا من دراسة الصفارات غير الموقعة، حيث حددنا حتى الآن 22 نمطًا مشتركًا منها، بينها صفارتان (NSWA وNSWB) استخدمهما 25 و35 دولفينًا مختلفًا على التوالي”.
وأوضح المؤلفون أن هذه الصفارات تُعد إشارات مرجعية ومكتسبة، مثلها مثل صافرات التوقيع، إذ تُنتج وتُكتسب عبر التعلم الصوتي المرن على مدى الحياة، وهي سمة نادرة بين الثدييات غير البشرية.
واختتم الفريق بأن هذه النتائج تُشكل أول دليل على وجود إشارات صوتية نمطية، شائعة، ومحددة السياق بين الدلافين، قد تمثّل أساسًا لنظام تواصل شبيه باللغة.
ورغم أن الفريق لا يزال يطرح فرضيات بشأن وظيفة هذه الصفارات، فإن التجارب أظهرت استجابات متفاوتة، تدعم افتراض وجود وظائف مختلفة، منها التحذير والاستفهام.
وقد نُشرت الدراسة بعنوان “أول دليل على المشاركة الواسعة لأنواع الصفارات غير المميزة النمطية من قبل الدلافين البرية” على منصة bioRxiv.
وفي البيان الصحفي، قال جيريمي كولر، مؤسس تحدي كولر دوليتل: “نشارك الكوكب مع ملايين الأنواع، ولكن لفترة طويلة، اقتصر تواصلنا على بعضنا البعض. يهدف التحدي إلى تغيير ذلك. أُعجبت بالعمل الرائع الذي أنجزته ليلى وفريقها، وأتطلع لمعرفة كيف سيستخدمون الذكاء الاصطناعي لفهم هذا الكم الهائل من البيانات”.
