رصدت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» تغيرات أسبوعية في مستوى سطح البحر على مدار 33 عامًا، وأتاحت مؤخرًا هذه البيانات للعامة، في خطوة من شأنها تعزيز فهم المخاطر الساحلية المتسارعة المرتبطة بتغير المناخ.
وتكشف البيانات الجديدة عن ارتفاعات وانخفاضات مفاجئة في مستوى سطح البحر قد تؤدي إلى تفاقم الفيضانات الساحلية، قبل وقت طويل من ظهور هذه التغيرات في المتوسطات السنوية.
ونشرت ناسا خرائط أسبوعية مستمدة من منتجات قياس ارتفاع سطح البحر (NASA-SSH)، تُظهر المناطق التي يرتفع فيها سطح البحر أو ينخفض عن المعدلات الطبيعية.
وقاد عالم المحيطات الدكتور جوشوا ك. ويليس، الذي كرّس مسيرته العلمية لقياس ارتفاع المحيطات باستخدام الأقمار الصناعية، جهود تطوير هذه السجلات وجعلها متاحة للاستخدام العام.
إزالة الفجوة الزمنية
وفي مختبر الدفع النفاث التابع لناسا (JPL)، عمل فريقه على مواءمة بيانات عدد من المهمات الفضائية المختلفة لضمان قابلية المقارنة بين القياسات الأسبوعية عبر الزمن.
ويسهم إتاحة هذه البيانات في إزالة الفجوة الزمنية التي كانت تفصل سابقًا بين مراكز الأبحاث والمستخدمين العامين، ممن يحتاجون إلى تتبع المخاطر السريعة التطور.
واعتمدت الأقمار الصناعية على قياس ارتفاع المحيطات من خلال إرسال نبضات رادارية نحو سطح البحر وقياس زمن ارتدادها.
وكان مقياس الارتفاع الراداري يسجل قراءة واحدة تقريبًا كل ثانية، تغطي مساحة يتراوح عرضها بين 4.8 و9.7 كيلومترات، ما يسمح بتصفية تأثير الأمواج الفردية مع الحفاظ على الأنماط الكبرى.
ولأن هذه القياسات الخام لا تفسر بمفردها الفيضانات المحلية نتيجة تأثير حركة اليابسة والمد والجزر، جرى تحويل المسارات الفضائية إلى شبكات بيانات منتظمة.
واستخدمت الحواسيب دمج عشرة أيام من الرصد في كل خريطة، ما يتيح تغطية شبه كاملة لدورة التكرار المدارية.
وتم توزيع النتائج على شبكة بقياس نصف درجة، مع تنعيم البيانات عبر مسافات تقارب 100 كيلومتر للحد من التشويش.
واعتمد الفريق على تقسيم المحيطات إلى أحواض منفصلة، لمنع اختلاط البيانات بين مناطق غير متصلة مائيًا، مع السماح بتبادل البيانات بين الأحواض المتجاورة عند وجود اتصال فعلي، وهو ما حافظ على دقة التفاصيل الساحلية.
مؤشر يعكس التيارات البحرية وتراكم الحرارة
وترصد كل خريطة أسبوعية ما يُعرف بـ«شذوذ ارتفاع سطح البحر»، أي الفرق بين الارتفاع الحالي والمتوسط طويل الأمد، وهو مؤشر يعكس التيارات البحرية وتراكم الحرارة.
وخلال ظواهر مناخية مثل «النينيو»، تساعد هذه البيانات الأسبوعية العلماء على تتبع انتقال الحرارة عبر المحيط الهادئ دون انتظار الملخصات الشهرية.
وفي عام 2024، ارتفع متوسط مستوى سطح البحر عالميًا بمعدل 0.58 سنتيمتر سنويًا، ويُعزى نحو ثلثي هذه الزيادة إلى التمدد الحراري للمياه نتيجة الاحترار، بعد اختلاط الحرارة إلى أعماق أكبر من المعتاد، في تحول لافت مقارنة بالأعوام السابقة التي كان ذوبان الجليد فيها العامل الأبرز.
وقال ويليس: «كل عام يختلف قليلًا عن الآخر، لكن الواضح أن مستوى سطح البحر يواصل الارتفاع، وبمعدل يتسارع على نحو متزايد».
وتيرة ارتفاع مستوى البحر تتسارع بمرور الوقت
وتشير السجلات طويلة الأمد، التي تشمل بيانات القمر الصناعي «سينتينيل-6»، إلى أن وتيرة ارتفاع مستوى البحر تتسارع بمرور الوقت، إذ ارتفعت من نحو 0.2 سنتيمتر سنويًا عام 1993 إلى قرابة 0.46 سنتيمتر سنويًا في 2023.
ورغم أهمية هذه الخرائط الأسبوعية، فإنها تظل محدودة من حيث الدقة المحلية، إذ لا تستطيع أجهزة الاستشعار الفضائية مراقبة كل السواحل على مستوى الشوارع، كما أن الخرائط تعكس أنماطًا واسعة النطاق، لا ذروة الفيضانات اليومية.
وأكدت ناسا أن استخدام هذه البيانات يتطلب دمجها مع مقاييس المد والجزر المحلية، نظرًا لأنها تعبر عن انحرافات نسبية عن المتوسط، وليست قياسات مطلقة عند السواحل.
