اقتصاد القلق.. حرب إيران تعيد رسم خريطة الإنفاق والتضخم
من مضيق هرمز إلى رفوف المتاجر.. كيف تنتقل صدمة الحرب إلى جيوب الناس؟
بين هرمز وباب المندب.. الاقتصاد العالمي في اختبار الممرات البحرية
لم تعد الحرب على إيران حدثًا عسكريًا فحسب، بل تحولت إلى صدمة اقتصادية شاملة تعيد ترتيب أولويات الإنفاق في المنطقة والعالم.
فقبل أن تنعكس التطورات في البيانات الرسمية، تبدأ آثارها في الظهور عبر ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد التوقعات”، حيث تتحرك الأسواق والسلوكيات الاستهلاكية بناءً على الاحتمالات لا الوقائع فقط.
من الجبهة العسكرية إلى فاتورة الطاقة
مع تصاعد المواجهة، انتقلت المخاطر بسرعة من ساحات القتال إلى أسواق الطاقة والتأمين والشحن.
فقد ارتفع خام برنت بنحو 17% ليقترب من 83.8 دولارًا للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 77 دولارًا، واتسع الفارق السعري بينهما إلى أعلى مستوياته منذ أواخر 2022، في إشارة إلى تسعير الأسواق لمخاطر الإمداد عبر الخليج.
ولا تتوقف الصدمة عند النفط الخام؛ إذ ارتفعت عقود الديزل الأمريكية بنحو 14% والبنزين 5%، بينما قفزت أسعار الغاز في أوروبا وآسيا، في انتقال سريع لصدمة الطاقة عبر سلاسل الإمداد العالمية.
مضيق هرمز.. محرّك القلق العالمي

يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحرًا، لذلك لا تحتاج الأسواق إلى إغلاق كامل للممر كي تعيد تسعير المخاطر؛ فمجرد ارتفاع احتمالية التعطل كافٍ لرفع أقساط التأمين وتكاليف الشحن.
وقد توسعت لجنة الحرب المشتركة في سوق لندن للتأمين البحري نطاق المناطق المصنفة عالية المخاطر في الخليج، ما دفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى الارتفاع عدة أضعاف، وهو ما يضيف “ضريبة غير مرئية” على التجارة العالمية.
باب المندب.. حلقة إضافية في سلسلة الاختناق

حتى المسارات البديلة لا توفر طمأنينة كاملة، فمضيق باب المندب وقناة السويس يشكلان شريانًا لنحو 12% من تجارة النفط البحرية وقرابة 8% من تجارة الغاز المسال.
وعند تجنب هذه المسارات تضطر السفن للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين، وينعكس لاحقًا على أسعار السلع الاستهلاكية.
من النفط إلى التضخم.. كيف تنتقل العدوى؟
الصدمة لا تبقى في سوق الطاقة، بل تتحول إلى سلسلة انتقالات:
– الوقود: كل ارتفاع بـ10 دولارات في سعر النفط قد يضيف نحو 15 سنتًا للغالون في الولايات المتحدة.
– الشحن: ارتفاع رسوم المخاطر وتأخيرات التسليم يرفع تكلفة السلع المستوردة.
– الجولة الثانية: تبدأ الشركات برفع الأسعار لتعويض التكاليف، وقد ترتفع الأجور لاحقًا، ما يعمّق التضخم.
بيانات التضخم الأمريكية كانت قد أظهرت تراجعًا إلى 2.4% في يناير 2026، لكن صدمات الطاقة تاريخيًا من أسرع العوامل القادرة على عكس مسار التهدئة التضخمية.

إعادة ترتيب الإنفاق.. صعود الأساسيات وتراجع المعمّر
في أجواء القلق، تميل الأسر إلى:
– تسريع شراء السلع الأساسية خوفًا من ارتفاع أسعارها.
– تأجيل شراء السلع المعمرة مثل السيارات والعقارات.
– زيادة الادخار الوقائي أو التحوط بالذهب والعملات الصعبة.
هذا التحول يخلق مفارقة اقتصادية: ارتفاع مؤقت في الطلب على الأساسيات يقابله ضعف في قطاعات التجزئة المعمرة والخدمات المرتبطة بها.
الدولار والذهب.. اقتصاد التحوّط
في فترات عدم اليقين، يتجه المستثمرون نحو الملاذات الآمنة. وقد شهد الذهب مكاسب قوية خلال الأشهر الأخيرة، فيما ارتفع الدولار بدوره باعتباره ملاذًا تقليديًا في الأزمات.
لكن قوة الدولار تحمل جانبًا سلبيًا؛ إذ تضعف تنافسية الصادرات الأمريكية وتضغط على النمو، بينما تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى زيادة العجز التجاري وتغذية التضخم المستورد.

الفدرالي بين خيارين صعبين
تضع صدمة الحرب الاحتياطي الفدرالي أمام معضلة:
– خفض الفائدة قد يدعم النمو لكنه يخاطر بتثبيت تضخم مرتفع.
– رفع الفائدة قد يحد من التضخم لكنه يضغط على الاستثمار وسوق العمل.
لذلك يبدو خيار التثبيت والتريث هو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير، في انتظار اتضاح مسار أسعار الطاقة.
درس أوكرانيا.. هل يتكرر السيناريو؟
أظهرت تجربة 2022 أن صدمات الطاقة قادرة على إشعال موجة تضخم عالمية تستمر لسنوات.
وقد وثّق صندوق النقد الدولي والاحتياطي الفدرالي أن الحرب الروسية–الأوكرانية كانت أحد المحركات الأساسية لأزمة كلفة المعيشة عالميًا.
اليوم، تعيد حرب إيران اختبار جاهزية الاقتصادات الكبرى، خاصة في ظل هشاشة سلاسل الإمداد وحساسية الأسواق للتوقعات.

الاقتصاد يبدأ في العقول
اللافت أن الأثر لا ينتظر وقوع صدمة مادية كاملة؛ بل يبدأ في “توقعات الناس”، فعندما يخشى المستهلك ارتفاع الأسعار، يشتري مبكرًا، وعندما يخشى المستثمر المخاطر، يتحوط فورًا. وهكذا يتحول القلق إلى قوة اقتصادية قائمة بذاتها.
الحرب، إذن، لا تنتقل إلى الاقتصاد عبر النفط والممرات البحرية فقط، بل عبر السلوك والتوقعات، حيث يبدأ أثر الصدمة في العقول قبل أن يظهر في الأرقام.





