لم يعد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط يضغط على أسواق النفط والطاقة فقط، بل امتد تأثيره إلى قطاع الشحن الجوي، أحد أكثر مفاصل التجارة العالمية حساسية، مع إغلاق مجالات جوية رئيسية وتعطل حركة العبور في مراكز محورية مثل دبي والدوحة، وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين.
وكشفت بيانات WorldACD أن متوسط أسعار الشحن الجوي العالمية ارتفع خلال الأسبوع المنتهي في 15 مارس 2026 بنسبة 10% على أساس أسبوعي، ليصل إلى 2.67 دولار للكيلوغرام شاملًا الرسوم، بعد زيادة سابقة بلغت 8%.
كما صعدت الأسعار الفورية عالميًا بنسبة 12% لتصل إلى 3.19 دولارات للكيلوغرام، فيما سجلت منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا أكبر القفزات، حيث بلغت الأسعار 4.37 دولارات للكيلوغرام، بزيادة أسبوعية 22% وسنوية 58%.
وعلى مستوى المسارات الرئيسية، ارتفعت أسعار الشحن من جنوب آسيا إلى أوروبا بنسبة 70%، ومن جنوب آسيا إلى أميركا الشمالية بنسبة 58%، ومن أوروبا إلى الشرق الأوسط بنسبة 55%، ما يعكس اتساع تأثير الأزمة ليشمل سلاسل الإمداد العالمية.
تراجع السعة يرفع الأسعار
لا يرتبط هذا الارتفاع بزيادة تقليدية في الطلب، بل يعكس صدمة في الطاقة الاستيعابية، نتيجة إغلاق مجالات جوية جزئيًا في عدد من دول الخليج، إلى جانب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضحت أستاذة إدارة الطيران Nadine Itani أن التراجع الحاد في الطاقة الاستيعابية لشركات الطيران الخليجية، التي تمثل نحو 13% من الشحن الجوي العالمي، كان أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار.
وأضافت أن المشكلة لا تقتصر على إلغاء الرحلات، بل تمتد إلى المسارات البديلة الأطول، التي تستهلك وقودًا أكبر، وتفرض تحميل كميات إضافية من الوقود، ما يقلل المساحة المخصصة للبضائع ويرفع التكلفة.
مسارات أطول وتعقيد أكبر
أدى تجنب مناطق النزاع إلى إعادة رسم خريطة الشحن الجوي، خاصة بين آسيا وأوروبا، مع تراجع طاقة ممر الصين-أوروبا بأكثر من 35% نتيجة تعطل مراكز التوزيع الخليجية.
كما اضطرت شركات الطيران إلى تشغيل رحلات مباشرة أطول دون التوقف في محطات مثل دبي، ما فرض قيودًا على الحمولة بسبب صعوبة التزود بالوقود.
تحول من البحر إلى الجو
ومع تعطل جزء من حركة الشحن البحري في الخليج، وتحول أكثر من 100 سفينة عن مساراتها قرب مضيق هرمز، اتجهت شركات عديدة إلى الشحن الجوي رغم تكلفته المرتفعة.
وبرز هذا التحول في قطاعات الأدوية والأغذية والإلكترونيات، التي تعتمد على سرعة التسليم، حيث لجأت الشركات إلى النقل الجوي لتفادي التأخير.
ارتفاع الوقود والتأمين
تفاقمت الضغوط مع ارتفاع أسعار وقود الطائرات بنسبة 11% أسبوعيًا، لتصبح أعلى بنحو 94% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، ما دفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية.
كما ارتفعت تكاليف التأمين بشكل حاد، في بعض الحالات إلى خمسة أضعاف، نتيجة المخاطر المرتبطة بالمرور في مناطق النزاع.
وأوضح الخبير الاقتصادي Ahmed Aql أن ارتفاع أسعار النفط بنحو 45% منذ بداية الأزمة انعكس مباشرة على تكاليف النقل، إلى جانب تأثير تغيير المسارات وارتفاع التأمين.
انعكاسات على الشركات والمستهلكين
بدأت شركات الشحن الكبرى مثل Maersk في فرض رسوم إضافية، بينما رفعت شركات مثل FedEx وUPS أسعار الشحن المرتبط بالشرق الأوسط.
في المقابل، بدأت الشركات الصناعية والتجارية في إعادة تقييم اعتمادها على الشحن الجوي، ليقتصر استخدامه بشكل أكبر على السلع عالية القيمة أو الحساسة للوقت.
ويرى الخبراء أن ارتفاع تكاليف الشحن سينعكس على الأسعار النهائية للسلع، ما يضغط على القدرة الشرائية، وقد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي إذا استمرت الأزمة.
ورغم بوادر تعافٍ جزئي في بعض المسارات، فإن السوق لا تزال تعاني من تقلبات حادة، مع استمرار القيود على السعة والتأخيرات، وعدم استقرار إمدادات وقود الطائرات في بعض المراكز الحيوية.
