شهد رجال الإطفاء في جنوب غرب فرنسا ظاهرة غير مسبوقة، حيث تسببت حرائق الغابات في تكوين عاصفة رعدية فوق عمود الدخان الناتج عنها، في سابقة لم تُسجل من قبل في البلاد.
وأوضحت الهيئة الوطنية لرجال الإطفاء في فرنسا أن السحابة الناتجة تُعرف باسم “بيروكومولونيمبوس”، وهي سحابة ركامية رعدية تنشأ بفعل الحرارة الشديدة للحرائق. وقال المتحدث باسم الهيئة، إريك بروكاردي، لوكالة “فرانس برس”، إن فرنسا لم تشهد هذه الظاهرة من قبل.
هذا التطور غيّر طريقة تعامل فرق الإطفاء مع الحرائق، إذ إن الحريق الذي يُولد طقسه الخاص لا يعود خاضعًا لاتجاه الرياح، بل يبدأ في تشكيل أنماط مناخية مستقلة.
تنشأ هذه السحب عندما يدفع الحريق الهواء شديد السخونة إلى أعلى بسرعة، حاملاً معه الدخان والرماد وبخار الماء. ومع ارتفاع الهواء، يبرد تدريجيًا، ما يؤدي إلى تكاثف بخار الماء على جزيئات الرماد، فتتكون سحابة فوق عمود الدخان.
ويؤدي التكاثف إلى إطلاق حرارة إضافية، تزيد من قوة السحابة وارتفاعها، ما يسمح لها بالوصول إلى طبقات الجو العليا. وفي قمتها، تتصادم بلورات الجليد، فتتولد شحنات كهربائية تؤدي إلى حدوث البرق.
وتُعد هذه الظاهرة خطيرة للغاية، إذ إن العاصفة الناتجة تُغذي الحريق نفسه، حيث تدفع التيارات الهابطة الجمر إلى مسافات بعيدة، ما يتسبب في اندلاع حرائق جديدة خارج نطاق السيطرة.
كما أن الصواعق الناتجة قد تُشعل بؤرًا جديدة للحريق، مما يجعل التنبؤ بمسار النيران أمرًا بالغ الصعوبة.
ووصف وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، حرائق جيروند بأنها “شديدة الخطورة وغير متوقعة”، فيما شبّهها المسؤولون بمعركة “داود وجالوت” بسبب ضخامتها.
وقد ساهمت موجات الحر المتتالية منذ مايو في تجفيف الغطاء النباتي، خاصة غابات الصنوبر البحري، ما جعلها شديدة الاشتعال. وتُعد هذه الغابات، ذات الكثافة العالية والتربة الجافة، من أكثر البيئات عرضة للحرائق في أوروبا.
وحتى الآن، فقدت فرنسا نحو 115 ألف هكتار من الأراضي بسبب الحرائق هذا العام، وهو رقم قياسي غير مسبوق.
وفي إسبانيا، امتد حريق ضخم غرب مدريد على مسافة 280 كيلومترًا، متسببًا في تضرر نحو 77 ألف هكتار، واصفه المسؤولون بـ”الوحش”.
وأجبرت الحرائق أكثر من 325 ألف شخص على إخلاء منازلهم في فرنسا وإسبانيا، بينهم 250 ألفًا في فرنسا وحدها، في أكبر عملية إجلاء تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.
كما أسفرت الحرائق عن مقتل رجلَي إطفاء قرب بوردو، إضافة إلى مدني في إسبانيا، وإصابة عشرات من رجال الإطفاء.
ويرى العلماء أن هذه الظواهر أصبحت أكثر شيوعًا في مناطق لم تكن تسجلها سابقًا، نتيجة التغير المناخي، حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة والجفاف إلى زيادة شدة الحرائق.
ومن المتوقع أن تشهد فرنسا موجة حر جديدة خلال الأيام المقبلة، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية، ما قد يزيد من تعقيد جهود السيطرة على النيران.
