لم تعد أزمة تلوث الهواء مرتبطة بالمدن وحدها أو حركة المرور والصناعة، إذ تكشف دراسة جديدة أن مصدرًا آخر أقل وضوحًا يطلق كميات كبيرة من الملوثات في الغلاف الجوي فوق غرب أفريقيا، خلال موسم الحرائق السنوي الذي يشهده الإقليم.
ففي ست دول تمتد من كوت ديفوار غربًا إلى نيجيريا شرقًا، تتكرر كل عام ظاهرة إشعال آلاف الحرائق الصغيرة في الأراضي الزراعية والمناطق الريفية، ما يترك وراءه “أثرًا كيميائيًا” يمتد في الهواء لمسافات واسعة دون أن يُرى بالعين المجردة.
الدراسة التي أجراها فريق من قسم الأرصاد الجوية وعلوم المناخ بجامعة “كوين مايلز” للعلوم والتكنولوجيا في غانا، اعتمدت على بيانات أقمار صناعية امتدت من عام 2019 حتى 2024، لرصد النشاط الحراري للحرائق من جهة، وتركيزات غاز ثاني أكسيد النيتروجين الملوث من جهة أخرى.
وبحسب الباحثين، فإن دمج هذين المؤشرين سمح بتتبع العلاقة بين اندلاع الحرائق وارتفاع مستويات التلوث في الوقت نفسه، عبر مساحة جغرافية واسعة تشمل دولًا مختلفة في البنية البيئية والاقتصادية.
وأظهرت النتائج أن العلاقة بين الحرائق وتلوث الهواء كانت قوية بشكل لافت في معظم الدول، حيث تراوحت قوة الارتباط بين 0.68 في بنين و0.97 في توغو، بينما سجلت غانا نحو 0.95، ما يشير إلى تطابق شبه مباشر بين ذروة الحرائق وذروة التلوث الغازي.
وتتكرر هذه الظاهرة سنويًا خلال موسم الجفاف الممتد من ديسمبر إلى فبراير، حين تتوقف الأمطار وتجف التربة وتنتشر رياح “الهارماتان” القادمة من الصحراء الكبرى، ما يخلق ظروفًا مثالية لانتشار الحرائق في السافانا والمناطق الزراعية.
ومع بداية موسم الأمطار في يونيو، تتراجع هذه الحرائق بشكل شبه كامل، قبل أن تعود مجددًا مع عودة الجفاف لاحقًا، في دورة موسمية باتت معروفة لدى الباحثين، لكنها لم تُربط سابقًا بهذا الوضوح بتلوث الهواء الإقليمي.
وتوضح الدراسة أن بعض الدول لا تتبع النمط نفسه بشكل دقيق؛ ففي نيجيريا، على سبيل المثال، يظل مستوى التلوث مرتفعًا طوال العام بسبب الانبعاثات المستمرة من حركة المرور والصناعة في المدن الكبرى مثل لاغوس، ما يجعل أثر الحرائق الموسمية أقل وضوحًا وسط “ضباب حضري” دائم.
أما في بوركينا فاسو، فقد رصد الباحثون مفارقة مختلفة، حيث وُجدت كثافة عالية من الحرائق دون ارتفاع مماثل في غاز ثاني أكسيد النيتروجين، ما يشير إلى احتمالات تداخل مصادر أخرى للتلوث أو انتقال الملوثات من مناطق مجاورة بفعل الرياح.
ولا يقتصر الأمر على نشاط الحرائق وحده، إذ كشفت البيانات أن حركة الهواء في الغلاف الجوي تلعب دورًا مهمًا في احتجاز التلوث. ففي موسم الجفاف، تميل الكتل الهوائية فوق جنوب نيجيريا وبنين وغانا إلى الهبوط بدل الصعود، ما يعيق تبديد الملوثات ويؤدي إلى تراكمها بالقرب من سطح الأرض.
هذا النمط ينعكس في موسم الأمطار، حين يساعد الارتفاع الرأسي للهواء وتساقط الأمطار في تنظيف الغلاف الجوي، لتسجل أدنى مستويات التلوث خلال العام.
وبحسب الدراسة، فإن التلوث الناتج عن هذه الحرائق لا يقتصر على غاز ثاني أكسيد النيتروجين فقط، بل يمتد ليشمل جزيئات دقيقة من السخام والدخان، وهي مواد ترتبط بمخاطر صحية أكبر عند استنشاقها، خاصة على الجهاز التنفسي.
وتشير أبحاث سابقة إلى أن التعرض الطويل لهذه الملوثات يرتبط بزيادة معدلات الربو لدى الأطفال ومشكلات تنفسية مزمنة، فضلًا عن تأثيرات أوسع على الصحة العامة في المناطق الأكثر كثافة سكانية وضعفًا في الخدمات الصحية.
ورغم أن الدراسة لم تقم بقياس التأثيرات الصحية بشكل مباشر، فإنها تؤكد أن تزامن الحرائق مع الظروف الجوية “الحابسة” للتلوث يخلق فترات موسمية عالية الخطورة يمكن التنبؤ بها مسبقًا.
وتقترح النتائج أن هذا النمط الدوري يمكن استخدامه لتحسين أنظمة الإنذار المبكر، بحيث تُطلق تحذيرات موسمية وتُعزز استعدادات القطاع الصحي خلال أشهر الذروة.
كما تبرز أهمية الرصد الفضائي في المناطق التي تفتقر إلى شبكات مراقبة أرضية كافية، إذ يتيح للأقمار الصناعية تتبع أنماط التلوث والحرائق بشكل متواصل وواسع النطاق، كاشفًا ما كان يظل “غير مرئي” في السابق.
وفي النهاية، توضح الدراسة أن حرائق غرب أفريقيا ليست مجرد ظاهرة زراعية موسمية، بل جزء من نظام بيئي وجوي معقد، يترك أثرًا متكررًا في الهواء الذي يتنفسه الملايين، ويحتاج إلى فهم أعمق وإدارة أكثر دقة للحد من مخاطره.
