كشفت دراسة علمية حديثة أن جينات الإنسان لا تؤثر فقط في شكل الجسم ووظائفه الحيوية، بل تمتد أيضًا لتحدد نوعية وتكوين بكتيريا الأمعاء التي تعيش داخل الجهاز الهضمي.
ويشير الباحثون إلى أن جسم الإنسان يحتوي على نظام بيئي متكامل يضم تريليونات من الكائنات الدقيقة، تلعب دورًا مهمًا في الهضم والمناعة وحتى الإشارات العصبية، لكن ما كان غير واضح سابقًا هو مدى تأثير الجينات في تشكيل هذا النظام الميكروبي.
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Genetics العلمية.
الجينات والميكروبيوم
اعتمدت الدراسة على بيانات لأكثر من 12 ألف شخص في النرويج، حيث تم تحليل الشيفرة الجينية البشرية ومقارنتها بخريطة تفصيلية لبكتيريا الأمعاء.
وأظهرت النتائج، أن الحمض النووي الموروث لا يحدد فقط خصائص الجسم، بل يساهم أيضًا في تشكيل المجتمع البكتيري داخل الأمعاء.
من التوائم إلى الأدلة الجينية
أشارت دراسات سابقة على التوائم إلى وجود عامل وراثي مؤثر، حيث كان لدى التوائم المتطابقة تشابه أكبر في بكتيريا الأمعاء مقارنة بالتوائم غير المتطابقة، ما دعم فرضية دور الجينات.
لكن تلك الدراسات لم تكن كافية لتحديد الجينات المسؤولة بشكل دقيق، بسبب محدودية البيانات والتقنيات المستخدمة في الماضي.
دراسة واسعة النطاق
اعتمدت الدراسة النرويجية على تقنيات متقدمة لتحليل الحمض النووي للبكتيريا بدقة عالية، ما سمح بتحديد الأنواع البكتيرية على مستوى الأنواع وليس فقط المجموعات العامة.
وقام الباحثون بتحليل نحو ثمانية ملايين متغير جيني بشري، ومقارنته بـ546 نوعًا من البكتيريا المعوية، ثم تأكيد النتائج عبر مجموعات إضافية في السويد وفنلندا.
جينات تؤثر في البكتيريا
حددت الدراسة 12 ارتباطًا قويًا بين جينات الإنسان وبكتيريا الأمعاء، بينها أربعة مناطق جينية جديدة.
ومن بين الجينات المهمة ظهر جين HLA-DQB1 المرتبط بالمناعة، والذي ارتبط بزيادة نوع من البكتيريا يُعرف باسم Agathobacter، وهو ما له صلة أيضًا بأمراض مناعية مثل الداء البطني (السيلياك).
وأظهرت النتائج، أن الأشخاص المصابين بالداء البطني لديهم مستويات أقل بكثير من هذه البكتيريا مقارنة بالأشخاص الأصحاء.
جينات المخاط والأمعاء
كما كشفت الدراسة عن دور جين MUC12 المسؤول عن إنتاج طبقة المخاط في الأمعاء، حيث ارتبط بتغيرات في أنواع بكتيريا معينة، إضافة إلى تأثيره على مخاطر الإصابة بالبواسير.
ويشير الباحثون إلى أن التغيرات في طبقة المخاط قد تؤثر بشكل مباشر على البيئة التي تعيش فيها البكتيريا.
جين FUT2 وبصمة ميكروبية مختلفة
أظهر جين FUT2 تأثيرًا واضحًا على تركيبة البكتيريا في الأمعاء، حيث يمتلك بعض الأشخاص نسخًا غير نشطة من هذا الجين، ويُطلق عليهم «غير المُفرِزين».
وقد وُجد أن هؤلاء الأشخاص لديهم اختلافات كبيرة في نوعية البكتيريا، بما في ذلك زيادة في نوع Streptococcus gordonii، المرتبط بمخاطر مبكرة لأمراض القلب.
كما رُبطت هذه التغيرات بارتفاع مؤشرات مرتبطة بمقاومة الإنسولين.
العلاقة مع الوزن
تناولت الدراسة أيضًا العلاقة بين مؤشر كتلة الجسم وتنوع بكتيريا الأمعاء، حيث أظهرت النتائج أن ارتفاع الوزن يقلل من تنوع الميكروبات.
ووفقًا للباحثين، فإن زيادة الوزن تؤثر سلبًا على صحة الميكروبيوم، وليس العكس كما كان يُعتقد سابقًا.
فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والبكتيريا
أكد الباحثون أنهم أصبحوا قادرين على ربط جينات محددة بأنواع محددة من البكتيريا، بل وتحديد وظائفها داخل الجسم.
ويعد هذا التطور خطوة مهمة في فهم العلاقة المعقدة بين الوراثة والميكروبيوم والصحة العامة.
حدود الدراسة وآفاقها
رغم قوة النتائج، أشار الباحثون إلى أن الدراسة ركزت بشكل أساسي على سكان من أصول أوروبية، ما قد يحد من تعميم النتائج على شعوب أخرى.
كما أوضحوا، أن بعض الارتباطات الجينية ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث لإثبات العلاقة السببية بشكل كامل.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام أبحاث مستقبلية تهدف إلى تعديل بكتيريا الأمعاء لتحسين الصحة والوقاية من الأمراض.
