رهانات سياسية مشتعلة.. الفكر الأمريكي ينظر للجزيرة كقاعدة متقدمة لحرب نووية محتملة
ليست رغبة الولايات المتحدة في الاستحواذ على جرينلاند نزوة سياسية عابرة، ولا وليدة تصريحات مثيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل تعود جذورها إلى أكثر من قرن ونصف، في إطار مشروع توسعي أميركي اعتمد تاريخيًا على شراء الأراضي الاستراتيجية، لا احتلالها المباشر.
فمنذ القرن التاسع عشر، نظرت واشنطن إلى غرينلاند باعتبارها حلقة مركزية في معادلة الأمن القومي، ومفتاحًا للهيمنة على شمال الأطلسي والقطب الشمالي، تمامًا كما كانت ألاسكا في نظرها قبل شرائها من روسيا عام 1867.
البداية الأولى للحلم الأميركي
بعد نجاح صفقة شراء ألاسكا من الإمبراطورية الروسية مقابل 7.2 مليون دولار، لم يتوقف وزير الخارجية الأميركي آنذاك وليام سيوارد عند هذا الحد، بل رأى في الصفقة نموذجًا يمكن تكراره، ووجّه أنظاره مباشرة إلى ممتلكات دنماركية أخرى في شمال الأطلسي، وعلى رأسها غرينلاند وآيسلندا.
في عام 1868، كلّف سيوارد خبراء أميركيين بإعداد تقارير مفصلة عن الجزيرة، شملت مسح الموارد الطبيعية، والمناجم، والمراعي، وإمكانية توطين مستوطنين أميركيين فيها مستقبلاً.
غير أن المشروع ووجه بسخرية واسعة داخل الكونجرس والصحافة الأميركية، التي كانت لا تزال تصف ألاسكا بـ”صندوق الثلج”، ما أدى إلى تجميد الفكرة مؤقتًا، لا التخلي عنها.
جرينلاند أولوية استراتيجية
مع مطلع القرن العشرين، عاد الاهتمام الأميركي بغرينلاند في سياق التنافس الإمبراطوري الأوروبي، ففي عام 1910، طرح السفير الأميركي لدى الدنمارك خطة معقدة لتبادل الأراضي، تحصل بموجبها واشنطن على جرينلاند، مقابل تمكين كوبنهاجن من استعادة أراضٍ فقدتها في أوروبا، ورغم أن الخطة لم تُنفذ، فإنها كشفت بوضوح أن الجزيرة كانت حاضرة في الحسابات الجيوسياسية الأميركية.
وفي عام 1917، نجحت واشنطن بالفعل في شراء جزر العذراء من الدنمارك مقابل 25 مليون دولار، في خطوة اعتُبرت تمهيدًا غير مباشر لتعزيز النفوذ الأميركي في شمال الأطلسي.
الحرب العالمية الثانية.. الاحتلال المقنّع
شكلت الحرب العالمية الثانية نقطة تحوّل مفصلية، فبعد احتلال ألمانيا النازية للدنمارك عام 1940، سارعت الولايات المتحدة إلى التدخل في غرينلاند عام 1941، بحجة حمايتها من السقوط في أيدي الألمان.
ومنذ ذلك الحين، ترسخ الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة، وتحولت جرينلاند إلى منصة حيوية لعبور آلاف الطائرات الأميركية، ونقطة إنذار مبكر في شمال الأطلسي.
عرض 1946.. شراء رسمي مرفوض
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع بداية الحرب الباردة، تقدمت الولايات المتحدة بعرض رسمي لشراء نرينلاند مقابل 100 مليون دولار من الذهب، كان الهدف واضحًا، السيطرة على موقع استراتيجي يتيح مراقبة الاتحاد السوفيتي وتأمين المجال الجوي الأميركي.
لكن الدنمارك رفضت العرض بشكل قاطع، مؤكدة أن الجزيرة “ليست للبيع”، رغم قبولها لاحقًا باتفاقيات سمحت لواشنطن بإنشاء قواعد عسكرية، أبرزها قاعدة “ثول” الجوية، التي أصبحت أحد أعمدة الدفاع الأميركي في القطب الشمالي.
الحرب الباردة..جرينلاند منصة نووية سرّية
بلغ الطموح الأميركي ذروته خلال الحرب الباردة عبر مشروع سري بالغ الخطورة عُرف باسم “آيس وورم”، كان يهدف إلى نشر مئات الصواريخ النووية تحت الجليد الجرينلاندي، في شبكة أنفاق تمتد لآلاف الكيلومترات.
ورغم فشل المشروع وإلغائه، فإن الوثائق التي كُشف عنها لاحقًا أكدت أن واشنطن لم تنظر إلى جرينلاند يومًا كمجرد جزيرة، بل كقاعدة متقدمة لحرب نووية محتملة.
المعادن والقطب الشمالي
في العقود الأخيرة، ومع تسارع ذوبان الجليد وارتفاع أهمية المعادن النادرة، عادت جرينلاند إلى صدارة الاهتمام الأميركي، ليس فقط لأسباب عسكرية، بل اقتصادية واستراتيجية، في ظل سعي واشنطن لتقليل اعتمادها على الصين في سلاسل توريد المعادن الحيوية.
تصريحات ترامب المتكررة عن “الحاجة إلى جرينلاند” ليست إلا إعادة إنتاج صريحة لطموح تاريخي قديم، يرتكز على منطق واحد: من يسيطر على جرينلاند، يسيطر على مفاتيح القطب الشمالي.
خلاصة تاريخية
من سيوارد إلى ترامب، ومن الذهب إلى المعادن النادرة، لم تتغير نظرة الولايات المتحدة إلى جرينلاند كثيرًا، الفارق الوحيد أن ما كان يُطرح سرًا في الماضي، بات يُقال علنًا اليوم، في عالم تتغير فيه موازين القوى، ويعود فيه منطق التوسع الجيوسياسي بثوب جديد.
جرينلاند، ببساطة، ليست صفقة عقارية… بل فصل طويل في تاريخ الطموح الأميركي.
