جرينلاند.. مختبر المناخ العالمي بين ذوبان الجليد وصراع القوى الكبرى

لماذا تلعب جرينلاند دورًا يفوق حجمها في علوم تغير المناخ؟

يستعرض هذا التقرير مجموعة من أبرز تغطيات موقع «ذا كونفرسيشن» لقضايا المناخ، والتي نُشرت لأول مرة في نشرته الأسبوعية الحائزة على جوائز «Imagine» المعنية بالعمل المناخي.

يقول أحد العلماء واصفًا مشهده عند مراقبة جرينلاند من طائرة هليكوبتر: «المشكلة الأساسية هي استيعاب الحجم الحقيقي. ظننت أننا نحلق على ارتفاع منخفض فوق أمواج أحد المضايق البحرية، قبل أن أدرك أن ما حسبته شظايا جليدية عائمة لم يكن سوى جبال جليدية بحجم مبانٍ إدارية. واعتقدت أننا نُحلق عاليًا فوق سهل جليدي بلا ملامح، قبل أن نهبط بلطف على سطح الجليد الذي لم يكن يبعد سوى أمتار قليلة أسفلنا».

هذا الوصف قدمه عالم الجليد بجامعة دورهام، توم تشادلي، أثناء كتابته عن أبحاثه التي أظهرت أن الغطاء الجليدي في جرينلاند لا يذوب فقط، بل يتفكك. فقد توصل تشادلي وزملاؤه إلى أن الشقوق الجليدية تتوسع بسرعة، ما يسمح بتغلغل مياه الذوبان إلى أعماق الغطاء الجليدي، ويُسرّع انزلاقه نحو المحيط.

المعادن النادرة في جرينلاند

ومع تصدع الجليد، يتصدع أيضًا الوضع الجيوسياسي القائم.

تُظهر كثير من خرائط العالم جرينلاند أكبر بكثير من حجمها الحقيقي. فإسقاط «مركاتور» الشائع يوحي بأنها تكاد تضاهي قارة أفريقيا، في حين أن مساحتها الفعلية تقارب مساحة جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وخلال سنوات العمل في التغطية البيئية، بات واضحًا أن لجرينلاند حضورًا يفوق حجمها في علوم المناخ. فقد نشر «ذا كونفرسيشن» تقارير متعددة تناولت ذوبان الجليد، والميكروبات المؤثرة في المناخ، وقدرة الدببة القطبية على التكيف السريع، والتصدعات المتسارعة في الغطاء الجليدي، والسباق لرسم خرائط المضايق النائية، وحتى موجة تسونامي هائلة بحجم ناطحة سحاب اهتز لها كوكب الأرض دون أن يلاحظها أحد. وجميع هذه الأبحاث اعتمدت على قدرة العلماء، غالبًا ضمن فرق دولية كبيرة، على الوصول إلى جرينلاند.

زلازل الأرض تكشف ضعف قاعدة الجليد في جرينلاند

لكن الاستقرار السياسي الذي يتيح هذا العمل العلمي بات مهددًا. ففي تحليل يوضح أهمية جرينلاند لعلوم المناخ العالمية، يشير عالم الجليد مارتن سيجرت، رئيس فرع جامعة إكستر في كورنوال، إلى أن القارة القطبية الجنوبية تخضع منذ عقود لمعاهدة دولية تضمن بقاءها أرضًا للسلام والعلم، بينما لا تحظى جرينلاند بحماية مماثلة.

ويؤكد سيجرت أن انفتاح جرينلاند على البحث العلمي لا تحكمه قوانين دولية، بل يعتمد على استمرار استقرارها السياسي وانفتاحها، وهو ما قد يتعرض للتهديد في حال تصاعد النفوذ الأمريكي.

وتكمن خطورة الأمر في أن ذوبان الغطاء الجليدي لجرينلاند بالكامل قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا بنحو سبعة أمتار، أي ما يعادل ارتفاع مبنى من طابقين.

جرينلاند ليست أرضًا خاملة قابلة للاستغلال السريع، بل نظام طبيعي شديد الحساسية، تتسارع فيه المخاطر الجيولوجية والمناخية بوتيرة غير مسبوقة

ويثير هذا الواقع تساؤلات حول دوافع الاهتمام الأمريكي المتزايد بالسيطرة على جرينلاند. فبينما يُرجع البعض ذلك إلى النفط والمعادن، يتبنى باحثون آخرون رؤية أكثر تشككًا. إذ يرى لوكاس سلوثوس، الباحث في إنتاج الوقود الأحفوري بجامعة ساسكس، أن التحديات اللوجستية الهائلة تقلل من جدوى استغلال هذه الموارد اقتصاديًا.

فخارج العاصمة نوك، تكاد تنعدم شبكات الطرق، كما تفتقر جرينلاند إلى موانئ عميقة قادرة على استقبال ناقلات النفط والسفن العملاقة. ويعني ذلك أن استثمارات ضخمة ستكون مطلوبة قبل استخراج أول شحنة من المعادن أو النفط.

ولهذا، يرجح سيجرت أن تُستخدم موارد جرينلاند لدعم التحول الأخضر بدلًا من إطالة عمر عصر الوقود الأحفوري، مع التركيز على المعادن الحرجة اللازمة لتقنيات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.

جرينلاند تُظهر مناطق التراخيص المتنازل عنها (الرمادية)، والمناطق النشطة (الحمراء)، والمناطق المفتوحة

ومع ذلك، لا يمنع هذا القوى الكبرى من تعزيز وجودها في المنطقة. إذ تشير تحليلات إلى أن جرينلاند مرشحة لاستضافة تصعيد عسكري كبير خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بأهميتها الاستراتيجية مع انفتاح طرق الشحن الجديدة بفعل تغير المناخ.

وبينما لا توجد دراسات كافية حول الأثر المناخي لهذا الحضور العسكري في بيئة جليدية هشة، يبقى التحذير قائمًا: الغطاء الجليدي في جرينلاند بات هشًا بما يكفي بالفعل.

Exit mobile version