ثورة غذائية: نباتات تنتج بروتين الحليب دون الحاجة للأبقار

هل ينتهي عصر الألبان التقليدية؟ اكتشاف يمكّن النباتات من تصنيع الكازين

ما الذي سيحدث إذا لم يعد البروتين الذي يمنح الحليب قيمته الغذائية وقوامه الكريمي وقدرته على صناعة الجبن يأتي من الأبقار، بل يمكن إنتاجه داخل نبات عادي؟

هذا ما تقترب منه الأبحاث الحديثة، التي كشفت عن طريقة غير متوقعة تمامًا تمكّن بذور النباتات من تصنيع وتخزين أحد أهم بروتينات الحليب.

قاد الدراسة الباحث أوديد شوسيوف من الجامعة العبرية في القدس، بالتعاون مع شركة “ميروكو” النيوزيلندية، حيث نجح الفريق في تمكين النباتات من إنتاج بروتين “بيتا-كازين”، وهو أحد البروتينات الرئيسية في حليب الأبقار.
نُشرت الدراسة في مجلة “فرونتيرز في علوم النبات”، وأظهرت النتائج أن البروتين يتراكم داخل موقع في الخلايا النباتية لم يكن متوقعًا من قبل.

البحث عن ألبان دون أبقار

يتزايد الطلب العالمي على منتجات الألبان، في وقت تتصاعد فيه المخاوف بشأن الانبعاثات الكربونية واستهلاك الأراضي والمياه المرتبط بتربية الماشية.

ودفع هذا التحدي العلماء إلى البحث عن طرق مستدامة لإنتاج بروتينات الألبان دون الاعتماد على الحيوانات. ويبرز “الزراعة الجزيئية النباتية” كأحد أكثر المسارات الواعدة، إذ تقوم على تحويل المحاصيل إلى مصانع حيوية صغيرة لإنتاج البروتينات.

ورغم الإمكانات الكبيرة، ظل إنتاج بروتينات الحليب المعقدة داخل النباتات تحديًا تقنيًا كبيرًا حتى الآن.

الحليب النباتي

كيف تمت التجربة؟

قام الباحثون بتعديل بذور نبات الأرابيدوبسيس وراثيًا لإنتاج بروتين “بيتا-كازين” البقري، وربطه بجزء من بروتين نباتي يُعرف باسم “أوليوسين”، والذي يرتبط بأجسام الزيت داخل الخلايا النباتية.

ثم اختبر الفريق توجيه البروتين إلى مواقع مختلفة داخل الخلية لمعرفة المكان الأكثر كفاءة لتخزينه.

الحليب النباتي

اكتشاف غير متوقع

توقع الباحثون أن يتجمع البروتين داخل فجوات التخزين المتخصصة، إلا أن المجهر الإلكتروني كشف نتيجة مختلفة تمامًا.

فبدلًا من ذلك، تكوّنت تراكيب جديدة غنية بالبروتين، تشبه تجمعات “مذيلات الكازين” الطبيعية، حول أجسام زيتية صغيرة داخل الخلايا.

واللافت أن هذه التراكيب تراكمت بنجاح دون التأثير على قدرة البذور على الإنبات.

نتائج واعدة

بلغت نسبة إنتاج البروتين نحو 1.26% من إجمالي البروتين القابل للذوبان في البذور، وهي نسبة أعلى من العديد من المحاولات السابقة.

وأشار شوسيوف إلى أن هذه النتيجة تمثل مفاجأة علمية، مؤكدًا أن فهم هذا السلوك غير المتوقع قد يساعد في تطوير طرق أكثر كفاءة لإنتاج بروتينات الألبان المستدامة.

تأثيرات تتجاوز الألبان

لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على بدائل الألبان فقط، بل تمتد إلى مجالات أوسع، إذ يمكن استخدام النباتات لإنتاج بروتينات غذائية ودوائية عالية القيمة بتكلفة أقل.

كما يمكن أن يسهم هذا التقدم في تحسين كفاءة الإنتاج وتبسيط عمليات الاستخلاص، ما يخفض التكاليف الصناعية.

من المختبر إلى الواقع

نجح الباحثون بالفعل في نقل التجربة إلى نبات العصفر، وهو محصول زيتي يتحمل الحرارة والجفاف، ما يجعله مناسبًا للإنتاج على نطاق واسع، خاصة في ظل تغير المناخ.

وقد يمهد هذا الدمج بين المحاصيل المقاومة والآليات الحيوية الجديدة الطريق لإنتاج ألبان نباتية حقيقية باستخدام موارد طبيعية بسيطة مثل الشمس والماء والتربة.

Exit mobile version