40 عامًا من تنظيف السواحل تكشف أزمة البلاستيك.. ملايين الزجاجات ما زالت تصل إلى المياه

1.3 مليون زجاجة بلاستيكية تكشف حجم أزمة التلوث البحري عالميًا.. 630 ألف متطوع يشاركون في التنظيف

كشفت نتائج حملة التنظيف الساحلي الدولية لعام 2025 عن الحجم المتزايد لمشكلة التلوث البلاستيكي عالميًا، بعدما تمكن نحو 630 ألف متطوع من جمع قرابة 13.9 مليون قطعة من المخلفات من الشواطئ والأنهار والممرات المائية في أكثر من 15 ألف ميل حول العالم.

وتصدرت زجاجات المشروبات البلاستيكية قائمة المخلفات التي جرى جمعها، بإجمالي بلغ 1,338,712 زجاجة، وفق التقرير الرسمي للحملة الذي صدر في 26 أغسطس 2026.

وتظهر هذه النتائج أن المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد لا تزال تمثل الجزء الأكبر من المخلفات المرئية التي تصل إلى البيئات البحرية والمائية، رغم الجهود المتزايدة لإعادة التدوير والحد من استخدام البلاستيك.

كما جمع المتطوعون أكثر من 1.2 مليون عقب سيجارة، و885 ألفًا و854 غطاءً لزجاجات بلاستيكية، ونحو 581 ألف كيس تسوق بلاستيكي، إضافة إلى أكثر من مليون كيس آخر وحاويات للطعام.

ولا تقتصر أهمية الحملة على إزالة المخلفات من الشواطئ والمجاري المائية، إذ يقوم المتطوعون أيضًا بتسجيل وتصنيف ما يعثرون عليه، لتتحول عمليات التنظيف إلى قاعدة بيانات ضخمة تساعد الباحثين وصناع السياسات على فهم مصادر التلوث وأنماطه.

وبحسب إجمالي البيانات، جرى تسجيل نحو 22 قطعة من المخلفات لكل مشارك في الحملة.

وقال أليسون شوتس، المدير الأول لعمليات تنظيف البيئة في منظمة Ocean Conservancy، إن معظم الزجاجات تستخدم لبضع دقائق فقط، لكنها قد تستمر في البيئة لفترات طويلة للغاية.

حملة التنظيف الساحلي الدولية لعام 2025

لماذا تتصدر الزجاجات البلاستيكية قائمة المخلفات؟

تثير صدارة زجاجات المشروبات البلاستيكية سؤالًا مهمًا: لماذا تنتشر مادة قابلة لإعادة التدوير بهذا الحجم في الشواطئ والأنهار؟

وتُصنع العديد من زجاجات المشروبات من البولي إيثيلين تيرفثالات (PET)، وهو نوع من البلاستيك يمكن إعادة تدويره.

لكن قابلية المنتج لإعادة التدوير من الناحية النظرية لا تعني بالضرورة أن الزجاجة ستصل بالفعل إلى صندوق جمع المخلفات القابلة لإعادة التدوير، أو منشأة الفرز، أو الجهة التي تشتري المواد المعاد تدويرها.

وقالت أنجا براندون، مديرة سياسات البلاستيك في منظمة Ocean Conservancy، إن الزجاجات البلاستيكية تعد من أكثر المنتجات البلاستيكية قابلية لإعادة التدوير.

لكن العثور على أكثر من 1.3 مليون زجاجة خلال حملة واحدة يشير إلى وجود فجوات في مراحل مختلفة من المنظومة، بداية من حجم المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد التي تُطرح في الأسواق، وصولًا إلى قدرة أنظمة جمع النفايات على استرداد العبوات بعد استخدامها.

أنظمة استرداد العبوات أحد الحلول

تمثل قوانين إيداع واسترداد قيمة العبوات أحد الحلول المقترحة للتعامل مع هذه المشكلة.

وبموجب هذه الأنظمة، يدفع المستهلك مبلغًا صغيرًا إضافيًا عند شراء المشروب، ثم يسترد هذا المبلغ عند إعادة العبوة الفارغة، وهو ما يمنح الزجاجة قيمة اقتصادية تشجع على إعادتها بدلًا من التخلص منها.

وتطبق عشر ولايات أمريكية حاليًا قوانين من هذا النوع، وتعتبر منظمة Ocean Conservancy هذه الأنظمة من أكثر الأدوات فاعلية في الحد من تلوث العبوات البلاستيكية.

وتعكس هذه التجربة مفهومًا أساسيًا في الاقتصاد الدائري، يتمثل في التعامل مع العبوة باعتبارها موردًا يمكن استعادته وإعادة استخدام مادته بدلًا من تحويلها سريعًا إلى نفايات.

الاقتصاد الدائري

البلاستيك خطر على الحياة البرية

لا يمثل البلاستيك مشكلة جمالية للشواطئ فقط، بل يمكن أن يتحول إلى خطر مباشر على الكائنات البحرية.

فبالنسبة إلى الطيور البحرية والسلاحف، قد تبدو قطع البلاستيك الطافية في المياه شبيهة بالفرائس أو الطعام.

وعند ابتلاعها، يمكن أن تتسبب هذه المواد في انسداد الجهاز الهضمي أو تمزقه، بينما يمكن للأكياس وخيوط الصيد وغيرها من المخلفات أن تتسبب في تشابك الحيوانات وإصابتها.

وأظهرت دراسة نشرت عام 2025، بقيادة إيرين ميرفي، وشملت أكثر من 10 آلاف عملية تشريح للحيوانات، أن البلاستيك وُجد داخل أجسام 35% من الطيور البحرية، و12% من الثدييات البحرية، و47% من السلاحف البحرية التي شملتها السجلات.

كما تم تسجيل حالات نفوق مؤكدة مرتبطة بالبلاستيك في المجموعات الثلاث.

وفي دراسة سابقة، عثر الباحثون على زجاجة بلاستيكية سليمة رغم انبعاجها داخل معدة طائر من طيور القطرس الملكي الجنوبي، إلى جانب مخلفات أخرى.

وأشارت تلك الدراسة إلى أن ابتلاع البلاستيك تسبب في انسداد الجهاز الهضمي وموت ثلاثة طيور.

بيانات المخلفات تساعد في تقييم السياسات البيئية

لا تقتصر أهمية عمليات جمع المخلفات على تنظيف الشواطئ، إذ يمكن للبيانات التي يجري جمعها عامًا بعد عام أن تساعد الباحثين في تقييم فعالية السياسات البيئية.

وفي دراسة نشرت عام 2025 في دورية Science، قارن الباحثون بين عشرات الآلاف من عمليات تنظيف الشواطئ في الولايات المتحدة وأكثر من 600 سياسة تتعلق بأكياس التسوق البلاستيكية.

ووجدت الدراسة أن المناطق التي طبقت حظرًا أو فرضت رسومًا على الأكياس شهدت انخفاضًا يتراوح بين 25% و47% في نسبة الأكياس البلاستيكية ضمن المخلفات التي جمعها المتطوعون، مقارنة بالمناطق التي لم تطبق تلك السياسات.

لكن هذه النتيجة تحتاج إلى قراءة دقيقة، فهي لا تعني أن إجمالي المخلفات على الشواطئ انخفض بنسبة تصل إلى 47%، وإنما تعني أن الأكياس البلاستيكية أصبحت تمثل نسبة أقل من المخلفات التي عثر عليها المتطوعون.

ويشير ذلك إلى أن السياسات التي تستهدف منتجًا محددًا يمكن أن تغير طبيعة المخلفات التي تصل إلى البيئة.

ومع ذلك، تواجه بيانات حملات التنظيف بعض القيود، إذ تختلف مستويات مشاركة المتطوعين من منطقة إلى أخرى، كما أن عدد القطع التي يجري العثور عليها لا يعكس جميع المخلفات البلاستيكية الموجودة بالفعل في البحار أو تلك التي تحولت إلى جزيئات بلاستيكية صغيرة.

ورغم ذلك، يمكن للملاحظات المتكررة عبر مواقع جغرافية متعددة أن تكشف أنماطًا مهمة تساعد في توجيه السياسات البيئية.

حملات تنظيف السواحل

40 عامًا من حملات تنظيف السواحل

بدأت أول حملة للتنظيف عام 1986 في ولاية تكساس الأمريكية بمشاركة نحو 2800 متطوع.

ومنذ ذلك الوقت، شارك ما يقرب من 20 مليون شخص في عمليات التنظيف، وتمكنوا من إزالة أكثر من 405 ملايين رطل من المخلفات وتسجيل ما يقرب من 440 مليون قطعة منفردة من النفايات.

وبمرور الوقت، تحولت مبادرة محلية لتنظيف أحد الشواطئ إلى قاعدة بيانات عالمية طويلة الأمد بشأن المخلفات التي تصل إلى السواحل والمجاري المائية.

وأصبحت الزجاجات البلاستيكية من أكثر أنواع المخلفات التي يتم العثور عليها، حيث جرى جمع ما يقرب من 27 مليون زجاجة خلال الفترة الممتدة حتى عام 2025.

ورغم ذلك، لا تزال أعقاب السجائر تتصدر قائمة المخلفات تاريخيًا، خصوصًا أن معظم مرشحات السجائر مصنوعة من البلاستيك ويمكن أن تتحلل إلى ألياف وجزيئات صغيرة.

من تنظيف المخلفات إلى منعها

تقدم نتائج حملة التنظيف صورة تحمل جانبين متناقضين، فمن ناحية، نجح مئات الآلاف من المتطوعين في إزالة ملايين القطع من المخلفات التي كانت ستبقى في البيئة، كما وفروا بيانات مهمة تساعد الباحثين وصناع السياسات.

لكن من ناحية أخرى، فإن تصدر الزجاجات البلاستيكية القائمة، رغم قابليتها لإعادة التدوير، يشير إلى أن معالجة المشكلة بعد وصول النفايات إلى البيئة لا تكفي وحدها.

ويعد تحسين الوصول إلى أنظمة إعادة التدوير أحد الحلول المهمة، خصوصًا بالنسبة إلى الزجاجات البلاستيكية، إلى جانب التوسع في أنظمة إعادة الاستخدام وإعادة التعبئة التي يمكن أن تقلل عدد العبوات الجديدة المتداولة.

كما يمكن لقوانين مسؤولية المنتج الممتدة أن تجعل الشركات المصنعة تشارك في تحمل تكاليف جمع العبوات والتعامل معها بعد انتهاء استخدامها، بما ينقل جزءًا من تكلفة إدارة النفايات إلى مرحلة تصميم المنتج واختيار العبوة.

ويمكن للحكومات كذلك الجمع بين أنظمة إيداع واسترداد العبوات، وتوفير نقاط إعادة تسليم مريحة، وضمان وجود أنظمة موثوقة لجمع النفايات.

وتبرز أهمية هذه الإجراءات في أن حملات التنظيف تعالج النفايات الموجودة بالفعل، بينما تحدد السياسات وتصميم المنتجات مقدار المخلفات التي تدخل إلى البيئة من الأساس.

وبذلك، فإن جمع 1.3 مليون زجاجة بلاستيكية ليس مجرد إنجاز لحملة تنظيف عالمية، بل رسالة واضحة بشأن حجم ما يزال مفقودًا من منظومة إدارة النفايات وإعادة التدوير.

Exit mobile version