كشفت دراسة علمية جديدة عن جنس جديد من التماسيح القديمة عاش في مصر خلال عصر الإيوسين الأوسط، قبل نحو 47 مليون عام، بعد إعادة فحص أحفورة عُثر عليها في منطقة جبل المقطم بالقاهرة، وظلت لأكثر من قرن مصنفة ضمن جنس آخر من التماسيح.
وأعاد الباحثون دراسة جمجمة أحفورية محفوظة في متحف الدولة للتاريخ الطبيعي في شتوتجارت بألمانيا، إلى جانب عدد من العينات الأخرى، واستخدموا التصوير المقطعي المحوسب (CT) للكشف عن تفاصيل داخلية في الجمجمة لم تكن ظاهرة من خلال الفحص الخارجي.
وأظهرت النتائج، أن الحيوان لا ينتمي إلى جنس Tomistoma، المعروف حاليًا باسم «الجاريال الكاذب»، وإنما يمثل سلالة مستقلة من مجموعة Gavialoidea، وهي المجموعة التي تضم الغارياليات القديمة والحديثة ، وبناءً على هذه النتائج، اقترح الباحثون جنسًا جديدًا أطلقوا عليه اسم Herugavialis، وأصبح الاسم العلمي للنوع هو Herugavialis cairensis.
أحفورة مصرية أعادت العلماء إلى عصر الإيوسين
فلم تكن القاهرة قبل نحو 47 مليون عام مدينة تحيط بها الصحراء كما نعرفها اليوم، بل كانت أجزاء واسعة من شمال مصر مغطاة ببحار دافئة وضحلة، تزخر بالأسماك والكائنات البحرية.
وتنتمي الأحافير إلى تكوين المقطم، وهو تكوين من الحجر الجيري البحري الغني بالحفريات، يرجع إلى عصر الإيوسين الأوسط، وتحديدًا مرحلة اللوتيتيان.
وعُثر على العينات في جبل المقطم شرق القاهرة، ومن بينها الجمجمة التي تمثل العينة النموذجية الأساسية للنوع.
وكان عالم الحفريات مولر قد وصف هذا النوع قبل نحو قرن، وأطلق عليه اسم Tomistoma cairense، استنادًا إلى مجموعة من أوجه التشابه التي رآها بين الجمجمة المصرية وجمجمة «الغاريال الكاذب» الحديث Tomistoma schlegelii، الذي يعيش حاليًا في بيئات المياه العذبة بجنوب شرق آسيا.
لكن الدراسات التطورية الحديثة بدأت تكشف مشكلة في هذا التصنيف، فبدلًا من ظهور هذا النوع المصري قريبًا من Tomistoma schlegelii، أظهرت التحليلات الوراثية الشكلية أن الأنواع الأحفورية التي كانت تُنسب تاريخيًا إلى جنس Tomistoma لا تشكل في معظمها مجموعة واحدة قريبة من النوع الحديث.
وهذا دفع الباحثين إلى إعادة فحص عدد من هذه الأنواع وإعادة تقييم تصنيفها.
الأشعة المقطعية تكشف ما تخفيه الجمجمة
اعتمدت الدراسة الجديدة على تقنية التصوير المقطعي المحوسب لفحص الجمجمة المصرية، وهو ما أتاح للباحثين إعادة بناء أجزاء من التشريح الداخلي، بما في ذلك القالب الداخلي للدماغ وبعض الجيوب والقنوات الموجودة داخل الجمجمة.
كما تمت دراسة عينة أخرى من التمساح الأحفوري Paratomistoma courti، وهو نوع عاش تقريبًا في الفترة الزمنية نفسها في مصر، بهدف إجراء مقارنات تشريحية أكثر دقة.
وكشفت المقارنات وجود عدد كبير من الاختلافات بين النوع المصري المدروس والغاريال الكاذب الحديث، وكذلك بينه وبين أنواع غاريالية أخرى عاشت في مصر خلال الإيوسين.
ومن أبرز الصفات التي تميز Herugavialis cairensis شكل تجاويف العين، التي تحيط بها حواف مرتفعة من عظام الدمع والجبهة وما قبل الجبهة، فيما وصفه الباحثون بـ«المدارات المتداخلة أو المتراكبة» (telescoped orbits).
كما يتميز النوع بطول عظم الدمع، الذي يزيد على ضعف طول العظم أمام الجبهي، وبخصائص مميزة في عظم الصدغ وبعض أجزاء قاعدة الجمجمة.
تمساح طويل الخطم عاش في مصر القديمة
تكشف بقايا الجمجمة أن Herugavialis كان يمتلك جمجمة طويلة وضيقة الخطم، وهي السمة المعروفة باسم longirostrine.
وكان الخطم يمثل نحو 64% من إجمالي طول الجمجمة، وفق تقديرات الباحثين التي جمعت المعلومات التشريحية من أكثر من عينة.
وظل عرض الخطم متقاربًا على امتداده، مع زيادة تدريجية في العرض باتجاه الجزء الخلفي من الجمجمة.
وكان الحيوان يمتلك عددًا كبيرًا من الأسنان الصغيرة والمتقاربة في الشكل، بما يتناسب مع نمط الأسنان المعروف لدى العديد من الغارياليات، التي امتلكت خطومًا طويلة وأسنانًا رفيعة تساعدها على التقاط الفرائس المائية.
وتشير العينات المتاحة إلى وجود 15 سنخًا على الأقل في كل فك علوي، ونحو 16 سنخًا على الأقل في كل فك سفلي.
أما الأسنان المحفوظة، فكانت طويلة ونحيلة ذات قمم مستديرة، مع أسطح ملساء وحواف مميزة.
لماذا أطلق العلماء عليه اسم «هيروجافياليس»؟
اختار الباحثون اسم Herugavialis في إشارة إلى الإله المصري القديم حورس (Heru)، الذي ارتبط في بعض التفسيرات التاريخية بأصل أو إلهام تمثال أبي الهول في الجيزة.
وهناك رابط جغرافي مباشر بين الاسم والموقع الأحفوري؛ إذ إن تمثال أبو الهول نفسه نُحت من صخر يعود إلى تكوين المقطم، وهو التكوين الجيولوجي الذي استُخرجت منه العينة النموذجية للتمساح الجديد.
كما لاحظ الباحثون تشابهًا رمزيًا بين الجمجمة الأحفورية وأبي الهول في أن كليهما يفتقد الجزء الأمامي من الأنف أو الخطم.
أما الجزء الثاني من الاسم، gavialis، فيشير إلى موقع الحيوان ضمن مجموعة الغارياليات وعلاقته التطورية بالغاريال الهندي الحديث Gavialis gangeticus.
لم يكن قريبًا من الجاريال الكاذب
أجرت الدراسة تحليلًا تطوريًا باستخدام قاعدة بيانات واسعة تضم 152 وحدة تصنيفية و331 صفة تشريحية، بهدف تحديد الموقع التطوري للنوع المصري.
وأعيد تسجيل عشرات الصفات التشريحية الخاصة بـTomistoma cairense بناءً على المعلومات الجديدة التي وفرتها العينات والتصوير المقطعي.
وأظهرت التحليلات أن Herugavialis cairensis ينتمي إلى مجموعة الغارياليات، لكنه لا يتجمع مع الجاريال الكاذب الحديث Tomistoma schlegelii.
كما لم يظهر ضمن مجموعة الأنواع المتوسطية الأخرى التي كانت تُنسب تاريخيًا إلى جنس Tomistoma ، وهذه النتيجة تدعم بقوة قرار إنشاء جنس مستقل له.
ماذا تكشف الحفرية عن دماغ الحيوان؟
لم تقتصر أهمية الدراسة على شكل الجمجمة والأسنان؛ إذ أتاح التصوير المقطعي دراسة القالب الداخلي لتجويف الدماغ.
وأظهر القالب الدماغي للحيوان انحناءً أكبر من الموجود لدى معظم الجارياليات الأحفورية المعروفة.
كما سجل الباحثون زاويتين للانحناء الدماغي بلغت إحداهما 132 درجة والأخرى 153 درجة، وهي قيم أقرب إلى تلك المسجلة لدى الجاريال الكاذب وبعض التماسيح من مجموعة الكروكوديلات.
ومن السمات اللافتة أيضًا وجود بروز سحائي غير حاد (blunt dural peak) في القالب الداخلي للدماغ، وهي صفة لم يرصدها الباحثون في أي جاريال آخر، وإن كانت معروفة لدى بعض التماسيح الأحفورية الأخرى.
وكشفت عمليات إعادة البناء كذلك عن تفاصيل القنوات التي كانت تحمل الشرايين السباتية الدماغية، إضافة إلى أجزاء من الجهاز الجيبي داخل الجمجمة.
مصر كانت موطنًا لتنوع كبير من الجارياليات
لا تكمن أهمية الاكتشاف في إضافة نوع جديد إلى سجل التماسيح الأحفورية فحسب، بل في أنه يقدم دليلًا جديدًا على التنوع الكبير الذي شهدته مصر ومنطقة البحر المتوسط من الغارياليات خلال عصر الإيوسين.
فإلى جانب Herugavialis cairensis، عاشت في مصر أنواع أخرى مثل Eogavialis africanum وParatomistoma courti، وهو ما يشير إلى وجود مجموعة متنوعة من الجارياليات في المنطقة خلال تلك الفترة.
وعلى نطاق أوسع، تضم مجموعة Gavialoidea اليوم نوعين فقط على قيد الحياة، هما الغاريال الهندي Gavialis gangeticus والغاريال الكاذب Tomistoma schlegelii، وكلاهما يعيش في جنوب شرق آسيا.
لكن سجل الحفريات يكشف تاريخًا مختلفًا تمامًا؛ إذ يضم أكثر من 40 نوعًا أحفوريًا معروفًا، انتشرت عبر مناطق واسعة من العالم خلال العصر السينوزوي.
وتوضح الأحافير أن الغارياليات القديمة كانت ذات انتشار جغرافي واسع للغاية، ولم تكن محصورة في جنوب آسيا كما قد يوحي وجود الأنواع الحديثة.
برودة الأرض وانحسار البحار ربما قللا التنوع
بحثت الدراسة أيضًا في الأسباب المحتملة وراء التغيرات التي شهدها تنوع الغارياليات في منطقة البحر المتوسط.
ويشير الباحثون إلى أن تنوع الجارياليات المتوسطية يبدو أنه تراجع خلال أواخر الإيوسين والأوليغوسين، وربما ارتبط ذلك بتغيرات بيئية واسعة النطاق.
ومن بين العوامل المحتملة انخفاض درجات الحرارة عالميًا وتراجع مستوى سطح البحر، وهو ما أدى إلى تقلص مساحات البيئات المناسبة التي كانت تعتمد عليها هذه الحيوانات.
وفي المقابل، ربما ساهمت عودة ارتفاع درجات الحرارة خلال الميوسين في توفير ظروف أكثر ملاءمة لعودة التنوع الغاريالي في المنطقة، لكن هذا الوجود لم يستمر إلى العصر الحديث.
أزمة ملح البحر المتوسط ربما أنهت عصر التماسيح
اختفت التماسيح من منطقة البحر المتوسط في أواخر الميوسين، ويرى الباحثون أن أحد العوامل المحتملة وراء ذلك هو أزمة الملوحة المسينية (Messinian Salinity Crisis).
وخلال هذه الأزمة، التي وقعت في أواخر الميوسين، شهد البحر المتوسط تغيرات هائلة في مستوى المياه والاتصال بالمحيطات، مع ترسبات ضخمة من الأملاح وتغيرات جذرية في النظم البيئية.
ويرجح الباحثون، أن هذه التحولات ربما ساهمت في القضاء على البيئات التي كانت تدعم وجود التماسيح والجارياليات في المنطقة.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن فهم هذا الانقراض الإقليمي يحتاج إلى مزيد من الدراسات، خصوصًا مع استمرار وجود أنواع أحفورية متوسطية تحتاج إلى إعادة تصنيف.
أحفورة عمرها قرن تعيد كتابة قصة قديمة
تكشف قصة Herugavialis cairensis أهمية إعادة فحص العينات الأحفورية القديمة باستخدام التقنيات الحديثة.
فالعينة المصرية ظلت لعقود طويلة ضمن جنس Tomistoma، لكن الجمع بين الفحص التشريحي الدقيق، والتصوير المقطعي، وإعادة بناء الأجزاء الداخلية للجمجمة، والتحليل التطوري كشف أن الحيوان يمثل جنسًا مستقلًا.
ويرى الباحثون، أن إعادة تصنيف الأنواع المتوسطية الأخرى التي ما زالت منسوبة إلى Tomistoma قد تكشف عن صورة أكثر وضوحًا لتاريخ الجارياليات، وكيف انتشرت وتنوعت ثم اختفت من البحر المتوسط.
وبذلك، لا تضيف أحفورة جبل المقطم مجرد اسم جديد إلى سجل الحياة القديمة؛ بل تفتح نافذة على عالم كانت فيه مصر، قبل عشرات الملايين من السنين، موطنًا لتنوع من التماسيح يختلف جذريًا عن الحيوانات التي تعيش فيها اليوم.
وتشير الدراسة إلى أن إعادة فحص الأنواع المتوسطية الأخرى التي ما زالت مدرجة تحت جنس Tomistoma يمكن أن تغير فهم العلماء لتاريخ الجارياليات وانتشارها وتنوعها في المنطقة.
كما أن وجود مجموعات تاريخية من الأحافير المصرية في متاحف أوروبية وأمريكية يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة من النوع نفسه، خاصة مع الجمع بين العينات المحفوظة والعمل الحقلي الحديث.
وهكذا، لا يمثل تمساح المقطم مجرد اسم جديد في سجل الحياة القديمة، بل يكشف فصلًا من تاريخ مصر الطبيعي عندما كانت مياه دافئة تغطي أجزاء واسعة من البلاد، وكانت الجارياليات تجوب بيئاتها المائية قبل عشرات الملايين من السنين.
إنها قصة أحفورة بقيت صامتة قرابة قرن، إلى أن أعادت التكنولوجيا الحديثة طرح السؤال الصحيح عليها.
