قبل أكثر من 3500 عام، بدأ مزارعو العصر البرونزي في بولندا استخدام الدخن، ليس لأن جماعات جديدة جلبته إلى المنطقة، وإنما لأن المزارعين المحليين وجدوا فيه محصولًا قادرًا على النمو في أراضٍ لم تكن مناسبة للقمح والشعير.
وتكشف دراسة جديدة أن الدخن ظهر في النظام الغذائي لسكان بولندا قبل أكثر من قرن مما كان معروفًا سابقًا، بينما تشير الأدلة الأثرية والكيميائية إلى أن بعض المجتمعات المحلية تبنته تدريجيًا عندما بدأت في استغلال أراضٍ زراعية جديدة وأقل ملاءمة للمحاصيل التقليدية.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية تتجاوز التاريخ؛ فالمحصول الذي كان حلًا لمشكلة زراعية قبل آلاف السنين قد يحمل اليوم فرصة جديدة أمام المزارعين الذين يواجهون الجفاف وتدهور التربة وتغير الظروف المناخية.
ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة Science Advances.
الدخن ظهر في بولندا قبل الموعد المعروف بأكثر من قرن
قاد الدراسة الباحثتان مارجو ديبيرمانتييه وجيدريه موتوزايتِه ماتوزيفيتشيوتي من جامعة فيلنيوس، حيث فحص فريق البحث التركيب الكيميائي لعظام وأسنان أشخاص دُفنوا في مواقع مختلفة من بولندا خلال العصر البرونزي.
وتوصل الباحثون إلى أن الدخن كان يُستهلك في المنطقة منذ نحو 1590 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من قرن من أقدم دليل سابق على وجوده هناك.
وجاء الدليل الأبرز من امرأة دُفنت في موقع بيلجيريموفيتسه Pielgrzymowice بجنوب بولندا، ويُقدر أنها توفيت بين سن 40 و50 عامًا.
وأظهرت أسنانها أنها لم تتناول الدخن خلال طفولتها؛ إذ سجل ضرسها الأول، الذي يكتمل تكوينه في الطفولة، نظامًا غذائيًا يعتمد على القمح والشعير.
لكن عظامها، التي تستمر في إعادة بناء نفسها طوال حياة الإنسان، كشفت أنها تناولت الدخن في السنوات الأخيرة من حياتها.
وبذلك أصبح بالإمكان تتبع التحول الغذائي داخل حياة الشخص نفسه، بدلًا من الاعتماد فقط على العثور على بذور أو حبوب متفحمة في المواقع الأثرية.
وكان أقدم تاريخ معروف لاستهلاك الدخن في بولندا يعود إلى نحو 1460 قبل الميلاد، بينما تعود أقدم حبوب دخن متفحمة عُثر عليها في بولندا إلى نحو 1300 قبل الميلاد.
وهذا يعني أن الاعتماد على بقايا الحبوب المتفحمة وحدها يمكن أن يؤدي إلى تأريخ وصول المحاصيل الجديدة إلى منطقة ما بعد وقت ظهورها الفعلي بقرون.
كيف كشف العلماء أن الدخن دخل النظام الغذائي في مرحلة متأخرة من حياة بعض الأشخاص؟
اعتمد الباحثون على اختلاف كيميائي مهم بين الدخن من جهة والقمح والشعير من جهة أخرى.
فالدخن من محاصيل C4، بينما ينتمي القمح والشعير إلى محاصيل C3، وتؤدي الاختلافات في طريقة البناء الضوئي إلى اختلاف في تركيب الكربون الذي يصل إلى الحبوب.
وعندما يتناول الإنسان الدخن بكميات كافية، تظهر هذه البصمة الكيميائية تدريجيًا في أنسجته.
وهنا تظهر أهمية الجمع بين الأسنان والعظام.
فالأسنان التي تتكون في الطفولة لا تتغير بشكل جوهري بعد اكتمالها، ولذلك يمكنها تسجيل النظام الغذائي في مرحلة مبكرة من العمر.
أما العظام فتتجدد باستمرار، وبالتالي يمكن أن تعكس النظام الغذائي خلال سنوات أقرب إلى نهاية حياة الشخص.
ومن خلال تحليل الاثنين معًا، استطاع العلماء مقارنة غذاء الطفولة بغذاء مرحلة لاحقة من الحياة.
171 شخصًا يكشفون كيف انتشر الدخن تدريجيًا
حصل فريق البحث على بيانات غذائية قابلة للتحليل لـ171 شخصًا دُفنوا خلال فترة امتدت لنحو 1200 عام.
ولم يكن الدخن غذاءً مسيطرًا على المنطقة؛ فقد أظهرت التحليلات أن 124 شخصًا لم تظهر لديهم مؤشرات قابلة للكشف على تناوله، بينما تناول 47 شخصًا الدخن في مرحلة واحدة على الأقل من حياتهم.
والأكثر إثارة أن الباحثين استطاعوا رصد التحول الغذائي داخل حياة عدد من الأشخاص أنفسهم.
فقد انتقل 6 أشخاص بشكل واضح من نظام غذائي في طفولتهم يعتمد على محاصيل C3، مثل القمح والشعير، إلى تناول الدخن خلال مرحلة البلوغ.
كما زاد استهلاك الدخن بصورة كبيرة لدى 8 أشخاص، بينما حدث العكس لدى شخص واحد، إذ ابتعد عن تناول الدخن خلال حياته.
وهذا يشير إلى أن انتشار المحصول لم يكن حدثًا مفاجئًا أو عملية إحلال سريعة، وإنما كان تبنيًا تدريجيًا داخل المجتمعات المحلية.
المفاجأة.. الدخن لم يصل مع مهاجرين جدد
كان أحد التفسيرات المتوقعة لظهور محصول جديد في السجل الأثري أن جماعة بشرية جديدة وصلت إلى المنطقة وجلبت معها المحصول.
لكن الأدلة الجديدة لا تدعم هذه الفرضية.
واستخدم الباحثون عنصر السترونشيوم للمساعدة في معرفة المكان الذي نشأ فيه الأشخاص أو الغذاء الذي تناولوه.
فالسترونشيوم ينتقل من الصخور والتربة إلى النباتات، ثم إلى الإنسان الذي يتغذى عليها، وتختلف نسبه وفقًا للخصائص الجيولوجية لكل منطقة.
وأظهرت النتائج أن أوائل مستهلكي الدخن في موقع بيلجيريموفيتسه كانوا يتوافقون مع البيئة المحلية، كما أن أسنانهم سجلت أنهم نشأوا في الأساس على القمح والشعير.
وبالتالي لم تكن الصورة التي وجدها الباحثون هي وصول جماعة جديدة تحمل محصولًا جديدًا.
بل تشير الأدلة إلى أن المزارعين المحليين هم الذين تبنوا الدخن عندما بدأوا في استغلال أراضٍ جديدة.
لماذا احتاج المزارعون إلى الدخن؟
تكمن أهمية الدخن في خصائصه الزراعية.
فالقمح والشعير لا يحققان أفضل إنتاجية في جميع أنواع الأراضي والظروف المناخية، بينما يتميز الدخن بقدرته على النمو بسرعة وتحمل ظروف أكثر صعوبة، بما في ذلك بعض الأراضي الفقيرة ونقص المياه.
وترى الباحثة جيدريه موتوزايتِه ماتوزيفيتشيوتي أن ظهور الدخن في النظام الزراعي المحلي ارتبط على الأرجح باستخدام أراضٍ لم تكن مناسبة بالقدر نفسه للقمح والشعير.
وبعبارة أخرى، لم يكن الدخن بالضرورة بديلًا للقمح والشعير، وإنما ربما كان وسيلة لتوسيع المساحة الزراعية إلى مناطق كانت أقل ملاءمة للمحاصيل التقليدية.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل قصة عمرها آلاف السنين مرتبطة بشكل مباشر بالتحديات الزراعية الحالية.
الدخن تجاوز الفوارق الاجتماعية
لم يجد الباحثون نمطًا اجتماعيًا واضحًا يفسر من كان يأكل الدخن ومن لم يأكله.
ففي مواقع مثل كوسيتسه Koszyce وبوتشينيتس Bocheniec وبيلجيريموفيتسه، دُفن الأشخاص الذين تناولوا الدخن مع أشخاص لم يتناولوه في المقابر الجماعية نفسها.
كما لم تظهر اختلافات واضحة بين الرجال والنساء، أو بين البالغين والأطفال، فيما يتعلق بتناول المحصول.
حتى المقابر ذات الطابع الأكثر تعقيدًا في داخاروف Dacharzów، حيث وُجد مستهلكون للدخن، كانت مشابهة لمقابر في جيرنيكي غورني Żerniki Górne لم يظهر لدى الأشخاص الذين خضعوا للتحليل فيها أي استهلاك للدخن.
لكن الجغرافيا قدمت نمطًا أكثر وضوحًا.
فمن بين 15 موقعًا شملتها الدراسة، احتوى 7 مواقع على أشخاص تناولوا الدخن، وكانت هذه المواقع في الغالب على أراضٍ مرتفعة، بينما خلت المواقع الواقعة في الأراضي المنخفضة القريبة من الأنهار من هذه المؤشرات بدرجة أكبر.
هل كان تغير المناخ وراء انتشار الدخن؟
رغم أن هذه الفرضية تبدو جذابة، فإن الباحثين يحذرون من القفز إلى استنتاج بأن تغير المناخ هو الذي دفع السكان مباشرة إلى زراعة الدخن.
فالفترة نفسها شهدت تغيرات في المناخ والسكان، ولا تسمح البيانات الحالية بتحديد أي العاملين كان السبب المباشر في انتشار المحصول.
كما أن وجود المحصول في منطقة ما لا يعني بالضرورة تبنيه على نطاق واسع.
فالدخن ظل موجودًا ويُستهلك بصورة متفرقة لمدة قرن على الأقل قبل أن يصبح غذاءً أساسيًا لدى بعض المجتمعات في حدود عام 1400 قبل الميلاد.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن معظم الأشخاص لم تتوفر لهم أنسجة يمكن أن تكشف التحولات الغذائية المتأخرة في حياتهم، لأن بقايا الطفولة كانت هي الأكثر بقاءً في بعض الحالات.
كما لم تُقاس بصورة مباشرة كمية السترونشيوم التي تمتصها نباتات الدخن مقارنة بالقمح، وهو ما يمثل عاملًا إضافيًا يحتاج إلى مزيد من الدراسة.
من الصين القديمة إلى أوروبا.. رحلة محصول عمره 8000 عام
يعود تدجين الدخن إلى شمال الصين قبل نحو 8000 عام، ومن هناك انتشر المحصول تدريجيًا عبر مناطق واسعة من أوراسيا.
ولعدة قرون، أصبح الدخن جزءًا من النظم الغذائية والزراعية في أجزاء من أوروبا، قبل أن يتراجع حضوره في معظم الحقول والموائد الأوروبية الحديثة.
وفي المقابل، لا يزال ملايين المزارعين في آسيا وأفريقيا يعتمدون على زراعته.
وفي عام 2023، أعلنت الأمم المتحدة العام الدولي للدخن، في محاولة لتسليط الضوء على مجموعة من المحاصيل التي تتميز بسرعة النمو والقدرة على الإنتاج في ظروف أقل ملاءمة لبعض الحبوب التقليدية، مع احتياجات مائية محدودة نسبيًا.
هل يستحق الدخن فرصة ثانية في الزراعة الحديثة؟
تقدم الدراسة القديمة درسًا مهمًا للزراعة الحديثة، لكن ليس باعتبارها دليلًا مباشرًا على أن الدخن هو الحل لتغير المناخ.
القيمة الحقيقية تكمن في الفكرة الأوسع: تنويع المحاصيل بدل الاعتماد على عدد محدود من الحبوب في كل الأراضي والظروف.
فمع ارتفاع الضغوط على الموارد المائية، وتزايد مخاطر الجفاف، وتدهور بعض الأراضي الزراعية، قد تصبح المحاصيل القادرة على تحقيق إنتاج مقبول في ظروف أكثر صعوبة جزءًا من استراتيجية الأمن الغذائي.
وقد يساعد توسيع زراعة الدخن في بعض المناطق الجافة أو الفقيرة على استغلال أراضٍ لا تناسب القمح والشعير بالدرجة نفسها، بدل محاولة دفع المحاصيل التقليدية إلى بيئات تتجاوز قدرتها الطبيعية.
لكن نجاح هذا التوجه يتطلب تقييمًا حديثًا للإنتاجية، والطلب في الأسواق، والقيمة الغذائية، وسلاسل الإمداد، والقدرة على توفير أصناف ملائمة لكل بيئة.
درس من العصر البرونزي للزراعة في عصر تغير المناخ
لا تثبت الدراسة أن مزارعي بولندا قبل 3500 عام كانوا يواجهون أزمة مناخية مشابهة لما يواجهه العالم اليوم، ولا تثبت أن تغير المناخ كان العامل الذي دفعهم إلى الدخن.
لكنها تكشف شيئًا أكثر أهمية: المجتمعات الزراعية القديمة لم تكن ثابتة أمام تغير الظروف، بل كانت قادرة على تعديل خياراتها الزراعية وتوسيع نطاق الأراضي التي يمكن استغلالها من خلال تغيير المحاصيل.
وفي الوقت الذي تبحث فيه الزراعة الحديثة عن طرق لإنتاج المزيد من الغذاء باستخدام مياه وأراضٍ أقل ملاءمة، يعود الدخن إلى دائرة الاهتمام باعتباره محصولًا قديمًا بخصائص تناسب بعض تحديات المستقبل.
والرسالة الأوضح التي تخرج بها الدراسة هي أن بعض الحلول الزراعية التي نبحث عنها اليوم ربما لا تكون جديدة تمامًا؛ فقد تكون مجرّبة منذ آلاف السنين، لكنها اختفت من الزراعة الحديثة قبل أن نعيد اكتشاف قيمتها.
