يطرح تغير المناخ العديد من التهديدات للحياة على كوكبنا، بما في ذلك تفاقم أزمة الغذاء العالمية، وارتفاع درجات الحرارة المميتة التي قد تتسبب في وفاة ملايين الأشخاص، والجفاف الشديد، والفيضانات، وانهيار الأنظمة البيئية الحيوية.
بعض الدول والجزر قد تختفي تحت ارتفاع مستويات البحار، وقد تتصاعد النزاعات وفشل الدول والهجرة الجماعية.
يدرك صانعو السياسات والمواطنون بعض هذه المخاطر، لكنهم قد لا يكونون على دراية بشدتها، أو بسرعة ظهورها، أو المخاطر القابلة للتجنب.
يحتاج قادة الحكومات إلى معرفة شدة وعجلة هذه المخاطر لاتخاذ قرارات مستنيرة وتحديد الأولويات، إذ لم يحصلوا إلا على رؤية جزئية حتى الآن.
على سبيل المثال، قد يدرك صانعو السياسات أن ارتفاع مستوى سطح البحر يستلزم إنفاق المزيد على الحماية من الفيضانات، لكنهم قد يتجاهلون احتمال أن تضطر أجزاء من مدن كبيرة مثل لندن ونيويورك وميامي إلى التخلي عنها.
قد يكونون على علم بأن المزيد من الأشخاص سيموتون بسبب موجات الحر، لكنهم غير مستعدين لمواجهة وفيات جماعية إذا تجاوزت الظروف حدود تحمل الإنسان.
حتى الآن، لم يجرِ أي تقييم عالمي رسمي للمخاطر المناخية. تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) ساعدت في تقديم الأدلة العلمية، لكنها تركز على تقييم المعرفة وليس تقييم المخاطر.
يوضح تقييم المخاطر مدى حجم وشدة المخاطر لمساعدة صانعي القرار على تحديد الأولويات لتجنبها أو التخفيف من آثارها.
قامت بعض الدول بإجراء تقييمات مخاطر مناخية محلية، كما ركزت دراسات أخرى على المخاطر الاقتصادية أو عدم الاستقرار الجيوسياسي الناتج عن تغير المناخ، لكن نطاقها محدود. التقييم العالمي، بقيادة مؤسسة دولية مناسبة، وحده يمكنه استكشاف نطاق والكاملة التي يمكن لتقليص الانبعاثات العالمية تجنبها.
تحديد أسوأ السيناريوهات
تتمثل المبادئ الأساسية لإعداد تقييمات المخاطر في تحديد المخاطر بالنسبة للأهداف، والتركيز على أكبر المخاطر بما في ذلك أسوأ السيناريوهات، واستخدام أفضل المعلومات المتاحة، والنظر في جميع الاحتمالات مع توضيح القيود والقيم المستخدمة في التقييم.
تختلف تقييمات المخاطر عن التنبؤات؛ فالتنبؤ يسأل أولًا: “ما المتوقع أن يحدث؟” ثم “كيف سيؤثر ذلك على مصالح المجتمع؟”، أما تقييم المخاطر فيسأل أولًا: “ما الذي قد يحدث ويؤثر سلبًا على مصالح المجتمع؟” ثم “ما احتمال هذه النتائج؟”.
وبما أن مخاطر تغير المناخ تتزايد مع الوقت، يصبح السؤال الأخير: “كيف يتغير احتمال النتائج الضارة مع مرور الوقت ومع الإجراءات البشرية؟”.
تقييم المخاطر لا يقدم رسالة يأس، بل يوضح النتائج التي لا تزال المجتمعات قادرة على تجنبها، ويدعم تطوير إجراءات التخفيف في الوقت المناسب ويبرز مدى تأثير الإجراءات البشرية.
مواجهة التحديات
إعداد تقييم عالمي لمخاطر تغير المناخ ممكن، إذا تم التعامل مع التحديات العلمية والاجتماعية والمؤسسية، مثل تقييم احتمالات الأحداث النادرة، وتحليل تفاعلات المخاطر المترابطة، وإشراك خبراء متعددين التخصصات، ومراعاة الأولويات والقيم المجتمعية، وتحقيق دعم مؤسسي قوي على أعلى المستويات الحكومية.
خطوات عملية
يمكن للأمم المتحدة تشكيل مجلس استشاري لمخاطر المناخ لتولي إجراء التقييم، أو يمكن لمجموعة من المؤسسات الدولية مثل المجلس الدولي للعلوم أو المنظمة العالمية للأرصاد الجوية قيادة الجهود.
يجب أن يشارك في التقييم خبراء في الصحة، والغذاء، والطبيعة، والاستقرار الاقتصادي لضمان شمولية التقييم.
يجب أن يكون التقييم الأول توضيحيًا ويركز على المخاطر التي يُتوقع أن تكون الأكثر خطورة، مثل وفيات جماعية بسبب الحر الشديد والفيضانات واسعة النطاق.
ويمكن تحديث التقييم كل خمس سنوات لتعزيز فعاليته وبناءً على الدروس المستفادة والبحوث المستهدفة.
لا تزال الإنسانية تملك فرصة لتجنب أسوأ تأثيرات تغير المناخ وبناء مستقبل أكثر ازدهارًا وقابلية للعيش، ويتيح التقييم العالمي للمخاطر المناخية القابلة للتجنب لصانعي السياسات والمواطنين فهم ما هو على المحك وتحفيزهم لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
