في تجربة قد تفتح مسارًا جديدًا لتوفير الطاقة للأجهزة الطبية المزروعة داخل الجسم، نجح باحثون في تنمية نسيج عضلي قلبي بشري حول شبكة دقيقة من مولدات الكهرباء، بحيث تحولت حركة انقباض النسيج وانبساطه إلى نبضات كهربائية من دون الحاجة إلى بطارية.
وتستهدف التقنية معالجة أحد التحديات الأساسية في الأجهزة الطبية المزروعة، مثل منظمات ضربات القلب ومحفزات الأعصاب والقوقعة الإلكترونية، وهي الحاجة إلى مصدر طاقة قد يتطلب استبدال البطارية أو إجراء تدخل جراحي عند انتهاء عمرها التشغيلي.
لكن الإنجاز لا يزال في المرحلة المختبرية؛ إذ لم تُزرع الشبكة داخل جسم حيوان أو إنسان، كما لم يستخدم الباحثون الكهرباء الناتجة لتشغيل جهاز طبي فعلي.
ونُشرت الدراسة في مجلة Science Advances، بمشاركة فريق بحثي من جامعة ماساتشوستس أمهرست وجامعة كونيتيكت، بقيادة الباحثة سيكي وانغ، وبإشراف جون ياو، الأستاذ المشارك في كلية ريتشيو للهندسة بجامعة ماساتشوستس أمهرست.
شبكة دقيقة تحصد الطاقة من حركة النسيج
تعتمد التقنية على شبكة مرنة صُممت لتندمج داخل النسيج بدلًا من وضع مولد الكهرباء في وحدة منفصلة، كما يحدث في بعض التصاميم السابقة لحصاد الطاقة الحيوية.
وتبلغ أبعاد الشبكة نحو 7 × 8 مليمترات، بينما تشغل الفراغات المفتوحة قرابة 78% من مساحتها، بما يتيح للخلايا الحية النمو داخلها وحول مكوناتها.
وتتكون الشبكة من أشرطة بلاستيكية رفيعة تحمل 64 شريحة دقيقة من مادة خزفية تُعرف باسم تيتانات الزركونات الرصاصية (PZT). وتتميز هذه المادة بخاصية كهرضغطية، أي إنها تولّد فرق جهد كهربائي عند تعرضها للانحناء أو الإجهاد الميكانيكي.
ووضع الباحثون طبقات بلاستيكية رقيقة لعزل الشرائح عن البيئة السائلة المحيطة بالخلايا، فيما وُصلت كل أربع شرائح معًا لتشكيل وحدة لحصاد الطاقة.
وقبل دمج الخلايا، اختبر الفريق الشبكة المرنة وتأكد من أن زيادة مقدار الانحناء ترفع الجهد الناتج، بينما تؤدي زيادة سرعة الانحناء إلى ارتفاع التيار الكهربائي، بما يتفق مع السلوك الفيزيائي المتوقع للمادة الكهرضغطية.
كما حافظ الغلاف البلاستيكي على سلامته لأكثر من شهرين في السائل المستخدم لتنمية خلايا القلب، وظلت الخلايا التي نمت على الشبكة حية خلال الاختبارات.
خلايا قلب بشرية تحوّل كل نبضة إلى إشارة كهربائية
استخدم الفريق خلايا جذعية بشرية لتحويلها إلى خلايا عضلية قلبية، ثم زرعها على الشبكة الدقيقة. وخلال الأيام التالية، تجمعت الخلايا في طبقة متصلة أحاطت بالأشرطة البلاستيكية وملأت الفراغات بين مكونات الشبكة.
وبدأ النسيج المزروع في الانقباض تلقائيًا بمعدل يقارب نبضة كل ثانيتين إلى ثلاث ثوانٍ. ومع كل انقباض، انثنت الشرائح الكهرضغطية وأنتجت نبضة كهربائية متزامنة مع حركة النسيج.
وأظهرت الإشارات الكهربائية نمطًا يرتفع بسرعة ثم ينخفض بصورة أبطأ، بما يتوافق مع الانقباض السريع والارتخاء الأبطأ لعضلة القلب.
وأجرى الباحثون اختبارات لاستبعاد احتمال أن تكون الإشارات ناتجة عن النشاط الكهربائي الطبيعي لخلايا القلب نفسها أو عن تغيرات كيميائية في السائل المحيط. وخلصوا إلى أن الحركة الميكانيكية للنسيج كانت مصدر الإشارات التي التقطتها المولدات.
وقد تتيح هذه الخاصية للشبكة أداء وظيفة إضافية بوصفها مستشعرًا يتابع نبضات النسيج، إلى جانب قدرتها على حصاد الطاقة، دون الحاجة إلى بطارية مستقلة لتوليد الإشارة.
رفع الجهد الكهربائي إلى 750 ملي فولت
لم يكن أداء التصميم الأولي مرتفعًا؛ فبعد تصحيح فقد الإشارة في كابلات أجهزة القياس، بلغ الجهد الناتج عن كل وحدة لحصاد الطاقة نحو 9 ملي فولت لكل نبضة.
وعزا الفريق محدودية الإنتاج إلى أن النسيج القلبي كان يمد الشرائح بانحناء أقل بنحو 100 مرة من الانحناء الذي تعرضت له خلال الاختبارات الميكانيكية الأولية على سطح مرن.
ولتحسين الأداء، زاد الباحثون سُمك الطبقة الكهرضغطية والغلاف المحيط بها في المناطق التي تحتوي على الشرائح، مع الإبقاء على الأجزاء الرابطة بين الشرائح رقيقة ومرنة.
وتستند هذه الخطوة إلى مبدأ ميكانيكي مفاده أن الطبقات الأبعد عن محور الانحناء تتعرض لتمدد أكبر، ما قد يعزز قدرتها على توليد الجهد الكهربائي.
وبعد تعديل التصميم، ارتفع الجهد المقدر إلى نطاق يتراوح بين 450 و750 ملي فولت، مع استمرار النسيج في النبض والانحناء بصورة مشابهة لما كان عليه قبل التعديل.
ومع ذلك، ظلت الطاقة الناتجة من كل نبضة ضئيلة للغاية، إذ قدّر الباحثون أنها تبلغ نحو 7 تريليونات من الجول. كما بلغت كفاءة تحويل الحركة إلى كهرباء في الشرائح نحو 3.5%، وهي قيمة وصفها الفريق بأنها نموذجية للمادة المستخدمة.
وبحسب تفسير الباحثين، فإن المكسب الأساسي لا يأتي من رفع كفاءة التحويل وحدها، بل من توزيع المولدات داخل النسيج وتقليل حجم الأجزاء التي تشغل مساحة دون أن تسهم في إنتاج الطاقة.
هل يمكن الاستغناء عن بطاريات الأجهزة الطبية؟
تحتاج الأجهزة المزروعة، مثل منظمات ضربات القلب ومحفزات الدماغ والأعصاب والقوقعة الإلكترونية، إلى طاقة مستمرة لتشغيل دوائرها وأداء وظائفها. لكن البطاريات تفرض قيودًا تتعلق بالحجم والمرونة والعمر التشغيلي، وقد يتطلب نفادها إجراء تدخل طبي لاستبدالها.
ومن هنا، يسعى الباحثون إلى تطوير تقنيات تحصد الطاقة من الحركة الطبيعية للأعضاء، مثل نبض القلب أو حركة الرئتين، بدلًا من الاعتماد الكامل على البطاريات.
ويختلف تصميم الشبكة الجديدة عن بعض الأنظمة التي تجمع الطاقة داخل وحدة واحدة أو رقعة منفصلة مثبتة على عضو؛ إذ يوزع المولدات على مساحة النسيج نفسه، في محاولة لتقليل الحجم غير المنتج للطاقة وتحسين الاندماج مع الأنسجة الحية.
ويرى الفريق أن هذا النهج قد يساعد مستقبلًا في تصميم أجهزة طبية أصغر وأكثر مرونة، إذا أمكن إثبات سلامته وقدرته على توفير طاقة كافية في الظروف الفعلية داخل الجسم.
لكن الجهد الكهربائي المقاس لا يعني أن الشبكة أصبحت قادرة على تشغيل منظم ضربات القلب أو أي جهاز طبي آخر. فالتجربة لم تختبر تشغيل حمل كهربائي فعلي، كما لم تثبت أن الطاقة المنتجة تكفي لتلبية احتياجات جهاز مزروع على المدى الطويل.
من طبق المختبر إلى الجسم الحي
يتمثل القيد الرئيسي في أن التجارب أُجريت على طبقة رقيقة من نسيج قلبي مزروع مخبريًا، وليس على قلب كامل أو نسيج داخل جسم حي.
ويرجح الباحثون أن الطبقات الرقيقة لم تكن متصلة بالشبكة بإحكام كافٍ لنقل حركة الانقباض بالكامل إلى الشرائح، وهو ما قد يفسر انخفاض الجهد عن المستوى الذي توقعته الحسابات النظرية.
ويقترح الفريق أن الأنسجة الأكثر سُمكًا وثلاثية الأبعاد داخل الجسم قد تمسك الشبكة بصورة أفضل، بما يسمح بنقل قدر أكبر من الحركة الميكانيكية إليها. كما يطرح الباحثون إمكانية تكديس طبقات متعددة من الشبكات لالتقاط الطاقة من أعماق أكبر داخل النسيج.
غير أن هذه الاحتمالات لم تُختبر بعد، ولا تزال هناك أسئلة أساسية بشأن التوافق الحيوي، واستقرار المواد داخل الجسم، واحتمالات الالتهاب أو رفض الأنسجة للزرعة، فضلًا عن كفاية الطاقة المنتجة وسلامة استخدامها على المدى الطويل.
ويقترح الباحثون مسارين للخطوات التالية: تنمية الأنسجة حول الشبكة في المختبر ثم زرعها، أو إدخال الشبكة مباشرة إلى الجسم جراحيًا لاختبار أدائها.
وبينما تمثل التجربة تقدمًا في دمج الإلكترونيات الدقيقة بالأنسجة الحية، فإن الوصول إلى أجهزة طبية تعمل ذاتيًا بالطاقة المستمدة من حركة الأعضاء ما زال يتطلب اختبارات حيوية وهندسية إضافية قبل الحديث عن تطبيق سريري.
