حذّر علماء من أن التقلّبات المناخية الداخلية قد تُعجّل بانتشار الأمراض المنقولة بالحشرات، مثل حمى الضنك، لتظهر قبل سنوات مما هو متوقع، داعين الحكومات إلى تعزيز نظم المراقبة الصحية والاستعداد المبكر.
اعتمدت دراسة حديثة نُشرت في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) منظورًا طويل الأمد، وأظهرت أن التقلبات المناخية الطبيعية تمثل عاملًا رئيسيًا في عدم اليقين بشأن مدى ملاءمة المناخ لانتقال الأمراض.
عدم اليقين في التوقعات المناخية وخطر الأمراض
يؤدي تغير المناخ إلى تبدل ديناميكيات الأمراض المنقولة عبر الحشرات. وتشير الأبحاث إلى تزايد انتشار بعوضة الزاعجة (Aedes)، الناقلة لحمى الضنك، في مناطق جديدة بأوروبا وأمريكا الشمالية.
ففي عام 2023، سُجّل انتقال محلي للمرض قرب لوس أنجلوس وباريس، كما رُصدت بعوضة الزاعجة البيضاء (Aedes albopictus) في المملكة المتحدة. ويجمع العلماء بين النماذج المناخية وبيانات النواقل والفيروسات لتقدير مخاطر تفشي المرض مستقبلًا.
وتعود مصادر عدم اليقين في التوقعات المناخية إلى ثلاثة عناصر رئيسية:
-
النماذج المناخية: الاختلافات بين صياغات نماذج الدوران العام (GCMs).
-
السيناريوهات: تفاوت مسارات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المستقبلية.
-
التقلبات المناخية الداخلية (ICV): التغيّرات الطبيعية العشوائية في المناخ، والتي تحدث بمعزل عن العوامل الخارجية.
تفاصيل الدراسة
أوضحت الدراسة أن معظم الأبحاث السابقة ركزت على النماذج والسيناريوهات، وأهملت أثر التقلبات المناخية الداخلية. غير أن النتائج بيّنت أن هذه التقلبات قد تُهيئ ظروفًا مواتية لانتقال الأمراض بصورة أسرع من المتوقع.
اعتمد الباحثون على توقعات درجات الحرارة اليومية لمدينة لندن خلال الفترة 2030 – 2080، إضافة إلى بيانات الأرصاد الجوية المسجلة عام 2020.
ثم جرى دمج هذه البيانات مع نماذج ملاءمة انتقال حمى الضنك عبر بعوضتي الزاعجة المصرية والبيضاء، لتقدير عدد الأيام المناسبة لانتشار المرض سنويًا.
قُسّم عدم اليقين في التوقعات إلى مساهمات من التقلبات الداخلية، وعدم اليقين المرتبط بالنماذج، وعدم اليقين المرتبط بالسيناريوهات. وأظهرت التحليلات أن التقلبات الداخلية تُشكل جزءًا كبيرًا من الغموض بشأن عدد الأيام المناسبة لانتقال العدوى.
نتائج رئيسية
-
بحلول عام 2080، قد تُعزى 38% من فترة التنبؤ بمتوسط درجة الحرارة السنوية إلى التقلبات المناخية الداخلية.
-
مثّلت هذه التقلبات نحو 48% من فترة التنبؤ بعدد الأيام المناسبة لانتقال المرض.
-
عند إدخال هذه العوامل، يزداد احتمال وصول لندن إلى أكثر من 120 يومًا سنويًا من ملاءمة انتقال حمى الضنك بحلول 2038، أي قبل 9 سنوات مما تشير إليه النماذج التي تعتمد على السيناريوهات وحدها.
ولتأكيد النتائج، أُجريت تحليلات مماثلة في خمس مدن أخرى لا تُعتبر حاليًا معرضة لمخاطر عالية، لكن التقديرات أظهرت أنها قد تصبح كذلك مستقبلًا.
دلالات على الصحة العامة
تؤكد الدراسة أن تجاهل أثر التقلبات المناخية الداخلية يقلل من دقة التوقعات، وهو ما يحمل آثارًا مباشرة على الصحة العامة. لذا توصي بتوسيع نطاق النماذج لتشمل عوامل إضافية مثل هطول الأمطار والرطوبة، فضلًا عن اعتبارات غير مناخية كالكثافة السكانية واستراتيجيات التدخل الصحي.
وشدد الباحثون على ضرورة الاستعداد الاستباقي، من خلال:
-
مراقبة النواقل عند الحدود والمطارات.
-
السيطرة على مواقع التكاثر.
-
تعزيز القدرة على التشخيص والاختبار.
-
إطلاق حملات توعية عامة.
-
التخطيط المسبق للاستجابة في حال تفشي الأوبئة.
الخاتمة
تكشف الدراسة أن التقلبات المناخية الداخلية ليست مجرد ضجيج عشوائي، بل عامل جوهري قد يُسرّع من ظهور أوبئة الأمراض المنقولة بالنواقل.
وإدراج هذا العامل في التوقعات المناخية المستقبلية أمر حتمي لدعم السياسات الصحية والوقائية عالميًا.
