تقرير إيطالي: انبعاثات الغازات الدفيئة ترتفع والطاقة المتجددة تتأخر عن أهداف 2030
الاقتصاد الأخضر في إيطاليا.. انبعاثات المناخ والطاقة والمياه تكشف تحديات التحول البيئي
ريميني – إيطاليا : محمد حسن
تقرير حالة الاقتصاد الأخضر 2026: إيطاليا تتأخر في خفض الانبعاثات والطاقة المتجددة رغم تقدم إعادة التدوير
كشف تقرير حالة الاقتصاد الأخضر لعام 2026 في إيطاليا عن تحديات تواجه مسار التحول البيئي، أبرزها ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة خلال عام 2025، وتأخر التوسع في مصادر الطاقة المتجددة عن المستهدفات المحددة لعام 2030، واستمرار الاعتماد الكبير على واردات الطاقة من الخارج.
وفي المقابل، رصد التقرير نتائج إيجابية في مجال الاقتصاد الدائري وإعادة تدوير المواد والنفايات، إلى جانب تزايد المبادرات المحلية التي تستهدف تعزيز قدرة المدن على مواجهة آثار تغير المناخ.
وجرى عرض التقرير، الذي أعدته مؤسسة التنمية المستدامة الإيطالية، يوم 3 نوفمبر 2026، خلال افتتاح الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة للاقتصاد الأخضر، المقامة على هامش معرض إيكوموندو بمدينة ريميني.
ويستعرض التقرير أبرز الملفات الاستراتيجية للتحول البيئي، بدءًا من أزمة المناخ والطاقة، مرورًا بتدوير المواد والتنقل المستدام، وصولًا إلى الزراعة وإدارة الموارد المائية.
وقال إيدو رونكي، رئيس مؤسسة التنمية المستدامة، إن إيطاليا تواجه وضعًا حرجًا بصورة عامة في مسار التحول إلى الاقتصاد الأخضر، مع وجود مؤشرات إيجابية محدودة، رغم أن استطلاعًا أجرته مؤسسة «إبسوس» أظهر زيادة التوجه نحو الممارسات الخضراء لدى المواطنين والشركات.

أزمة المناخ.. إيطاليا أكثر تعرضًا للظواهر الجوية المتطرفة
أوضح التقرير أن الموقع الجغرافي لإيطاليا في قلب حوض البحر المتوسط يجعلها أكثر عرضة لتداعيات أزمة المناخ، مشيرًا إلى أن متوسط درجات الحرارة في البلاد ارتفع بأكثر من درجتين مئويتين خلال السنوات الخمسين الماضية، وهي زيادة تتجاوز متوسط الارتفاع العالمي.
وخلال صيف 2026، شهدت عدة مدن إيطالية تزامنًا في فترات التحذير الأحمر من ارتفاع درجات الحرارة، وهي مستويات تشير إلى ظروف قد تمثل خطرًا صحيًا حتى على الأشخاص الأصحاء، فضلًا عن المخاطر التي تواجه الفئات الأكثر عرضة للتأثر بالحرارة.
كما سجلت إيطاليا أكثر من 2300 حدث مناخي متطرف خلال عام 2025، وفقًا للتقرير.

انبعاثات الغازات الدفيئة.. هدف 2030 يحتاج إلى مضاعفة جهود الخفض
رصد التقرير تباطؤًا في جهود خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، إذ عادت الانبعاثات إلى الارتفاع خلال عام 2025 بعد سنوات من التراجع، بينما ظل الانخفاض المسجل خلال عام 2026 محدودًا حتى وقت إعداد التقرير.
وبين عامي 2015 و2024، خفضت إيطاليا انبعاثاتها بمتوسط 7 ملايين طن سنويًا، لكن تحقيق المستهدف المحدد في الخطة الوطنية المتكاملة للطاقة والمناخ (PNIEC) لعام 2030 يتطلب، اعتبارًا من عام 2026، الوصول إلى متوسط خفض سنوي يبلغ 14 مليون طن.
ويعني ذلك ضرورة مضاعفة معدل خفض الانبعاثات السنوي مقارنة بالمعدل الذي حققته البلاد خلال السنوات السابقة.
الطاقة المتجددة.. فجوة بين المستهدفات ومعدلات التوسع

على صعيد الطاقة المتجددة، أشار التقرير إلى استمرار الفجوة بين معدلات التوسع الحالية والأهداف المحددة لعام 2030.
وتستهدف الخطة الوطنية المتكاملة للطاقة والمناخ وصول حصة الطاقة المتجددة إلى 39.4% من إجمالي استهلاك الطاقة بحلول 2030، بينما لم تتجاوز هذه الحصة 19.6% في إيطاليا خلال عام 2024، مقارنة بمتوسط أوروبي بلغ 25.2%.
وتظهر الفجوة أيضًا في قطاعات الاستخدام المختلفة؛ إذ بلغت حصة الطاقة المتجددة من استهلاك التدفئة والتبريد 20% خلال 2024، مقابل مستهدف يبلغ 35.9% بحلول 2030، بينما سجلت حصتها في قطاع النقل 10%، مقارنة بهدف يصل إلى 34.2%.
وفي قطاع الكهرباء، غطت مصادر الطاقة المتجددة 47% من الإنتاج الكهربائي خلال عام 2025، بينما يبلغ المستهدف لعام 2030 نحو 70%.
وبلغت القدرات الجديدة التي جرى تركيبها من مصادر الطاقة المتجددة في إيطاليا 7.2 جيجاوات خلال 2025، وهو مستوى يقل عن ألمانيا التي سجلت 23.3 جيجاوات، وإسبانيا التي بلغت إضافاتها 10.8 جيجاوات.
ووفقًا للتقرير، يتطلب تحقيق الهدف الإيطالي الوصول إلى نحو 10 جيجاوات من القدرات الجديدة سنويًا.
الاعتماد على الطاقة المستوردة.. إيطاليا أعلى من المتوسط الأوروبي
لا يزال اعتماد إيطاليا على مصادر الطاقة المستوردة مرتفعًا، إذ استقر خلال السنوات الأخيرة عند نحو 74%، مقابل متوسط يبلغ حوالي 57% في الاتحاد الأوروبي.
ورغم ذلك، أشار التقرير إلى أن إيطاليا تسجل أداءً جيدًا نسبيًا في كثافة استخدام الطاقة، إذ بلغ الاستهلاك الداخلي الإجمالي للطاقة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي 72 طنًا من مكافئ النفط لكل مليون يورو خلال عام 2024، مقابل 85 طنًا في المتوسط الأوروبي.
وخلال العشرين عامًا الماضية، انخفض استهلاك الطاقة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا بنسبة 30%، مقارنة بتراجع بلغ 36% في المتوسط الأوروبي.
الاقتصاد الدائري.. إيطاليا تحافظ على أداء متقدم في إعادة التدوير

يمثل الاقتصاد الدائري أحد أبرز المجالات الإيجابية في التقرير، إذ بلغت إنتاجية الموارد في إيطاليا خلال عام 2025 نحو 4.6 يورو من الناتج المحلي الإجمالي لكل كيلوجرام من المواد المستهلكة، مقابل 3 يورو في المتوسط الأوروبي.
كما بلغ معدل الاستخدام الدائري للمواد في إيطاليا 21.6% خلال عام 2024، مقارنة بمتوسط 12.2% في الاتحاد الأوروبي، و17.8% في فرنسا، و14.8% في ألمانيا.
وسجل معدل إعادة تدوير النفايات في إيطاليا 86% خلال عام 2022، مقابل متوسط أوروبي بلغ 41%، بينما وصلت نسبة إعادة تدوير نفايات التغليف والتعبئة إلى 77.3% خلال عام 2025.
لكن التقرير أشار إلى استمرار الاعتماد على استيراد المواد، إذ بلغت نسبة الاعتماد على واردات المواد 47.1% خلال 2025، أي أكثر من ضعف المتوسط الأوروبي البالغ 22.1%.
المياه.. إيطاليا الأعلى أوروبيًا في الاستهلاك المدني والصناعي
تمثل إدارة المياه تحديًا آخر أمام التحول البيئي في إيطاليا، التي أشار التقرير إلى أنها تتصدر الدول الأوروبية من حيث استهلاك المياه للأغراض المدنية والصناعية، كما تحتل المركز الثاني في سحب المياه المخصصة للزراعة بعد إسبانيا.
وتبلغ حصة الفرد من الموارد المائية المتاحة سنويًا نحو 2260 مترًا مكعبًا، وهي أقل من نصف المتوسط الأوروبي.
ووفقًا للمعهد الإيطالي لحماية البيئة والبحوث (ISPRA)، أسهم تغير المناخ في تراجع توافر المياه بنسبة 20% مقارنة بمستويات بداية القرن العشرين، فيما تعرض نحو 40% من الأراضي الإيطالية للجفاف خلال صيف 2024.
وتتفاقم المشكلة بسبب كفاءة البنية التحتية، إذ تفقد شبكات المياه الإيطالية أكثر من 40% من المياه التي تضخ إليها، بينما لا تتجاوز نسبة إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة 4%، رغم أن إمكانات الاستفادة من هذه المياه تصل إلى 23%.
النقل المستدام.. ارتفاع السيارات الهجينة والكهربائية مع تراجع البنزين والديزل

رصد التقرير بعض المؤشرات الإيجابية في قطاع النقل، خاصة فيما يتعلق بتجديد أسطول السيارات وزيادة حصة المركبات ذات أنظمة الدفع الكهربائية والهجينة.
وخلال النصف الأول من عام 2026، ارتفعت حصة السيارات الهجينة من إجمالي تسجيلات السيارات الجديدة إلى 49.7%، مقابل 44.4% خلال الفترة نفسها من عام 2025.
كما ارتفعت حصة السيارات الهجينة القابلة للشحن الخارجي من 5.3% إلى 9%، وزادت حصة السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات من 5.2% إلى 8.4%، لتصل الحصة الإجمالية للفئتين إلى 17.4%.
وفي المقابل، تراجعت حصة السيارات الجديدة العاملة بالبنزين من 26% إلى 19.7%، والسيارات العاملة بالديزل من 10% إلى 6.8%.
لكن التقرير أشار إلى استمرار ضعف الدعم المخصص للنقل العام المحلي والإقليمي، إذ لم يزد التمويل الاسمي للصندوق الوطني للنقل خلال الفترة بين 2015 و2025 سوى بنسبة 6%، بينما تراجعت قيمته الحقيقية بنسبة 13.5%.
وفي عام 2025، كانت الموارد المالية للصندوق أقل بنحو 660 مليون يورو مقارنة بعام 2015.
الزراعة العضوية.. تراجع المساحات للمرة الأولى منذ عقد

في القطاع الزراعي، ارتفعت القيمة المضافة خلال عام 2025 بصورة أساسية نتيجة زيادة الأسعار، بينما ظلت أحجام الإنتاج شبه مستقرة.
ولا تزال تداعيات أزمة المناخ تؤثر على الإنتاج الزراعي؛ إذ تشير بيانات الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن الجفاف مسؤول عن 54% من خسائر الإنتاج الزراعي، بينما تتسبب الأمطار الغزيرة في 21% منها.
وسجلت الزراعة العضوية تطورًا لافتًا، إذ تراجعت المساحات الزراعية المعتمدة والواقعة تحت التحول إلى الزراعة العضوية بنسبة 5.4% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، وذلك للمرة الأولى خلال عشر سنوات.
وكانت هذه المساحات قد سجلت نموًا بنسبة 59.3% خلال الفترة من 2015 إلى 2024، فيما لا تزال جزيرتا صقلية وبوليا ضمن المناطق الإيطالية الأكثر كثافة في المساحات الزراعية العضوية.
وفي المقابل، واصلت ما تعرف باسم «اقتصاد المنتجات ذات المنشأ المحمي والمؤشر الجغرافي المحمي» (DOP Economy) نموها، إذ بلغت القيمة الإجمالية للمنتجات الحاصلة على علامتي المنشأ المحمي (DOP) والمؤشر الجغرافي المحمي (IGP) نحو 20.7 مليار يورو.
المدن.. توسع مبادرات التكيف المناخي والمساحات الخضراء

رصد التقرير تنامي المبادرات المحلية للتحول البيئي في المدن الإيطالية، خاصة مشروعات التكيف مع تغير المناخ، التي تستفيد أيضًا من موارد الخطة الوطنية للتعافي والقدرة على الصمود (PNRR).
ومن بين هذه المبادرات تطوير الملاجئ المناخية والإجراءات الهادفة إلى الحد من ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، التي تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة في المناطق العمرانية مقارنة بالمناطق المحيطة.
كما سلط التقرير الضوء على مفهوم «المدن الإسفنجية» (Sponge Cities)، التي تعتمد على تصميم البنية الحضرية بما يسمح بامتصاص مياه الأمطار وإدارتها، من خلال تقليل الأسطح غير المنفذة للمياه، وزيادة المساحات الخضراء، وإنشاء الأحواض والبحيرات والمناطق الرطبة.
ويمكن لهذه البنية التحتية أن تسهم في تجميع مياه الأمطار وإتاحتها لإعادة الاستخدام خلال فترات نقص المياه، إلى جانب الحد من تأثيرات ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة.
ويقدم تقرير حالة الاقتصاد الأخضر 2026 صورة متعددة الجوانب للتحول البيئي في إيطاليا؛ إذ يرصد تحديات في خفض الانبعاثات والتوسع في الطاقة المتجددة وإدارة المياه والنقل والزراعة، بالتوازي مع استمرار النتائج الإيجابية في إعادة تدوير المواد والنفايات، وظهور مبادرات حضرية جديدة للتكيف مع تغير المناخ.





