كشفت دراسة علمية حديثة أن التأثير البيئي السلبي للضواحي السكنية لا يرتبط فقط ببعدها عن مراكز المدن، بل يتأثر بدرجة كبيرة بطريقة تصميم الشوارع والأحياء السكنية، وهو عامل ظل لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام رغم دوره المباشر في زيادة الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاعتماد على السيارات.
وتوصلت الدراسة إلى أن الشوارع المتعرجة، والنهايات المغلقة، والشبكات المرورية غير المترابطة تساهم بشكل ملحوظ في رفع معدلات استهلاك الوقود وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فضلًا عن تأثيراتها الاجتماعية والصحية المرتبطة بانخفاض النشاط البدني وتراجع التفاعل المجتمعي بين السكان.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Sustainability المتخصصة في أبحاث الاستدامة والبيئة.
الضواحي في مواجهة الاتهامات البيئية
لطالما وُجهت الانتقادات إلى الضواحي باعتبارها أحد أبرز مصادر الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالنقل، إذ يعيش سكانها عادة على مسافات أبعد من أماكن العمل والمدارس ومراكز التسوق، ما يفرض عليهم استخدام السيارات بشكل يومي ولمسافات أطول مقارنة بسكان المدن الأكثر كثافة.
غير أن الدراسة الجديدة، التي أجرتها أريانا سالازار ميراندا، الأستاذة المساعدة في التخطيط الحضري وعلوم البيانات بكلية البيئة في جامعة ييل الأمريكية، تشير إلى أن المسافة وحدها لا تفسر كامل المشكلة.
وسعت الباحثة إلى اختبار فرضية مختلفة تتمثل في قياس التأثير المستقل لتصميم الشوارع على الاستدامة البيئية والاجتماعية، بعيدًا عن عامل الموقع الجغرافي أو القرب من مركز المدينة.
إرث تخطيطي يمتد لأكثر من قرن
أوضحت الدراسة أن التصميم السائد في العديد من الضواحي الأمريكية يعود إلى فلسفة “المدينة الحدائقية” التي ظهرت في بريطانيا مطلع القرن العشرين كرد فعل على الازدحام والتلوث في المدن الصناعية.
وبعد الحرب العالمية الثانية، تحول هذا النموذج إلى النمط الأكثر انتشارًا في الضواحي الأمريكية، حيث اعتمد على الشوارع المتعرجة والطرق الهادئة والنهايات المغلقة التي توفر بيئة سكنية أكثر هدوءًا وجاذبية.
ورغم المزايا الجمالية لهذا النموذج، فإن الدراسة تشير إلى أنه أسهم بشكل غير مباشر في ترسيخ الاعتماد على السيارات الخاصة باعتبارها الوسيلة الأساسية للتنقل.
كيف يزيد تصميم الشوارع الانبعاثات؟
حدد الباحثون أربعة عناصر رئيسية في تخطيط الضواحي تؤدي إلى زيادة استخدام السيارات.
هذه العناصر هو الشوارع المتعرجة التي تجعل المسافات الفعلية أطول مما تبدو عليه على الخريطة، ما يطيل زمن الرحلات ويرفع استهلاك الوقود.
أما العنصر الثاني فيتمثل في الطرق المغلقة والنهايات غير النافذة التي تمنع وجود مسارات مباشرة بين الأحياء، وتجبر السكان على المرور عبر طرق رئيسية للوصول إلى وجهاتهم.
ويؤدي ذلك إلى العنصر الثالث، وهو تركيز حركة المرور في عدد محدود من الشوارع الرئيسية، ما يجعل المشي وركوب الدراجات أقل أمانًا وأقل جاذبية.
أما العنصر الرابع فيرتبط بتخطيط الكتل السكنية غير المترابطة، والذي يقلل من فرص وجود متاجر وخدمات أساسية على مسافات يمكن الوصول إليها سيرًا على الأقدام، ما يحول حتى أبسط الاحتياجات اليومية إلى رحلة بالسيارة.
تحليل أكثر من 60 ألف حي سكني
لقياس حجم التأثير بدقة، طورت الباحثة مؤشرًا خاصًا يعتمد على خصائص تصميم الشوارع والكتل العمرانية، ثم طبقته على أكثر من 60 ألف حي سكني في مختلف أنحاء الولايات المتحدة باستخدام بيانات خرائط رقمية مفتوحة المصدر.
وأظهرت النتائج أن العيش في الضواحي يضيف نحو 570 رطلًا من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري سنويًا لكل فرد مقارنة بأنماط السكن الأكثر كثافة.
ومن اللافت أن نحو 220 رطلًا من هذه الانبعاثات ترتبط مباشرة بتصميم الشوارع وحده، أي ما يعادل نحو 38% من إجمالي التأثير المرتبط بالسكن في الضواحي.
وتُعد هذه الدراسة الأولى التي تنجح في الفصل بين تأثير موقع الضاحية وتأثير تصميمها العمراني، ما يوفر فهمًا أكثر دقة لمصادر الانبعاثات المرتبطة بالتوسع العمراني.
آثار تتجاوز المناخ
لم تقتصر نتائج الدراسة على الانبعاثات الكربونية فقط، بل كشفت أيضًا عن ارتباط قوي بين التصميم غير المترابط للشوارع وبين تزايد العزلة الاجتماعية وانخفاض مستويات النشاط البدني.
واعتمد الباحثون على بيانات مجهولة المصدر لحركة الهواتف المحمولة على مدار عام كامل، وتبين أن السكان الذين يعيشون في أحياء يصعب التنقل داخلها سيرًا على الأقدام يقضون وقتًا أطول في الجلوس والتنقل بالسيارات مقارنة بسكان الأحياء الأكثر ترابطًا.
كما أظهرت النتائج أن غياب المتاجر والمتنزهات والخدمات القريبة يقلل فرص اللقاءات اليومية العفوية بين السكان، وهو ما يضعف الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المحلي.
إعادة تصميم الضواحي كحل مناخي
تشير الدراسة إلى أن إحدى أهم مزايا معالجة مشكلة التصميم العمراني هي إمكانية تعديلها عمليًا، على عكس الموقع الجغرافي الذي لا يمكن تغييره.
فالضاحية لا تستطيع الاقتراب من مركز المدينة بعد بنائها، لكن يمكن إعادة ربط الشوارع ببعضها البعض، وإنشاء ممرات للمشاة والدراجات، وتطوير استخدامات عمرانية مختلطة تسمح بوجود المتاجر والخدمات داخل الأحياء السكنية.
وفي هذا الإطار، بدأت عدة مدن أمريكية بالفعل تطبيق هذه المفاهيم، حيث أزالت مدينتا بوسطن وسان فرانسيسكو بعض الطرق السريعة التي كانت تفصل بين الأحياء، بهدف إعادة ربط النسيج العمراني وتحسين سهولة التنقل.
كما تفرض مدينة بورتلاند معايير تضمن ترابط الشوارع في المشروعات الجديدة، بينما وضعت ولاية فرجينيا قيودًا على إنشاء تجمعات سكنية تعتمد بشكل كبير على النهايات المغلقة.
نحو مدن أكثر استدامة
تؤكد الدراسة أن ما بين ربع و40% من الأضرار البيئية والاجتماعية المنسوبة تاريخيًا إلى التمدد العمراني قد يكون ناتجًا في الواقع عن تصميم الشوارع نفسها، وليس فقط عن المسافات الطويلة بين الضواحي ومراكز المدن.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة لمكافحة تغير المناخ وتحسين جودة الحياة في المدن، من خلال إعادة تصميم الأحياء القائمة وتبني نماذج عمرانية أكثر ترابطًا وكفاءة.
وتشير الدراسة إلى أن إصلاح أخطاء التخطيط العمراني التي ترسخت خلال القرن العشرين قد يكون أحد أكثر الحلول فعالية وأقلها تكلفة للحد من الانبعاثات الكربونية، وتحسين الصحة العامة، وتعزيز التماسك الاجتماعي في المجتمعات الحضرية.
