بيل جيتس يحذر: الذكاء الاصطناعي تجاوز «عتبات الخطر».. والروبوتات تهدد 30% من الوظائف

بيل جيتس يقترح «وظائف محجوزة للبشر» وضريبة على الروبوتات لمواجهة صدمة الذكاء الاصطناعي

حذر بيل جيتس، المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، من أن العالم دخل مرحلة شديدة الاضطراب مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن التكنولوجيا تجاوزت بالفعل عددًا من «عتبات الخطر» المرتبطة بالوظائف والأمن السيبراني والقدرات البيولوجية والتأثير النفسي والاجتماعي، بينما لا تزال الحكومات والمجتمعات غير مستعدة بالقدر الكافي لمواجهة تداعياتها.

وقال جيتس إن العالم يقترب من مرحلة قد تشهد اضطرابًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا واسع النطاق، نتيجة قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدال جانب كبير من العمل المعرفي البشري بتكلفة منخفضة، بالتزامن مع التطور السريع للروبوتات القادرة على أداء المزيد من المهام الميدانية والعملية.

وفي مقال مطول نشره، بالتزامن مع مقابلة مع «MIT Technology Review»، أكد جيتس أن التحول إلى عصر الذكاء الاصطناعي سيكون، حتى في أفضل الظروف، من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ البشرية، محذرًا من أن العالم لا يمتلك حتى الآن خطة واضحة لتسهيل الانتقال إلى هذا العصر.

وقال جيتس إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح «أعظم أداة لتحقيق المساواة على الإطلاق»، لكنه قد يتحول في المقابل إلى «أسوأ مصدر لعدم المساواة»، إذا لم تستعد الحكومات والمجتمعات للتغيرات التي ستصيب سوق العمل والاقتصاد.

الذكاء الاصطناعي يتجاوز الوظائف المكتبية

وأوضح جيتس أن التأثيرات الحالية للذكاء الاصطناعي تتركز بصورة أكبر في الوظائف المكتبية، لكنه توقع أن تمتد موجة الاستبدال تدريجيًا إلى قطاعات أوسع، مع انخفاض تكلفة التكنولوجيا وتحسن قدراتها وموثوقيتها.

وأشار إلى أن العديد من الوظائف التي تعتمد على مهام محددة جيدًا، مثل المبيعات الهاتفية، وخدمة العملاء، والمحاسبة، وتحليل البيانات وبعض الأعمال القانونية والبرمجية، أصبحت معرضة بدرجة متزايدة للأتمتة.

ويرى جيتس أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في اختفاء بعض الوظائف، وإنما في سرعة التحول، التي قد تجعل انتقال العمال الذين يفقدون وظائفهم إلى وظائف جديدة أكثر صعوبة مما كان عليه الحال خلال موجات التغيير التكنولوجي السابقة.

وقال إن التاريخ السابق للتكنولوجيا قد يكون «مضللًا» عند محاولة توقع تأثير الذكاء الاصطناعي، لأن التكنولوجيا الحالية قادرة على استبدال العمل المعرفي البشري عبر عدد كبير من القطاعات وفي فترة زمنية متقاربة، وبكلفة قد تكون أقل بكثير من تكلفة العمالة البشرية.

وأضاف أن نحو نصف سوق العمل، بحسب تقديره، يتضمن وظائف لا تعتمد بالضرورة على عقود طويلة من الخبرة والحكم الشخصي المعقد، وإنما على مهام واضحة يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها.

بيل جيتس يحذر من تأثير الذكاء الاصطناعي والروبوتات على الوظائف

الروبوتات تفتح جبهة جديدة في سوق العمل

ولا يقتصر تحذير جيتس على الوظائف المكتبية، إذ يرى أن التطور السريع للروبوتات سيضع العمالة اليدوية أمام ضغوط متزايدة خلال السنوات المقبلة.

وقال إن كثيرًا من الناس لا يدركون السرعة التي تتطور بها الروبوتات القادرة على الحركة والتعامل مع الأشياء، مشيرًا إلى أن الروبوتات الشبيهة بالبشر لا تزال تواجه قيودًا تتعلق بقدرات الذكاء الاصطناعي والمهارة اليدوية، لكنها تتقدم بسرعة كبيرة.

وبحسب رؤيته، فإن الوصول إلى روبوت قادر على العمل بكفاءة في مصنع قد يعني أن التكنولوجيا ستكون قريبة أيضًا من أداء مهام أخرى في المطاعم، والتنظيف، والبناء، والمخازن وغيرها من القطاعات.

وحذر من أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات يمكن أن يخلق «دورة مفرغة»، إذ ستدفع المنافسة الشركات إلى استخدام التكنولوجيا لخفض التكاليف والأسعار، ما يجبر الشركات المنافسة على تبني التكنولوجيا نفسها للحفاظ على قدرتها التنافسية.

ويقدر جيتس أن هذه الموجة قد تطال في مرحلة معينة ما يقرب من 30% من سوق العمل، عندما تصبح الروبوتات قادرة على أداء مجموعة واسعة من الوظائف العملية بتكلفة أقل من العمالة البشرية.

«وظائف محجوزة للبشر»

ومن أبرز الأفكار التي طرحها جيتس إنشاء ما سماه «وظائف محجوزة للبشر» أو Human Reserved Jobs، بحيث تتفق المجتمعات على قطاعات ومهام معينة يظل تنفيذها حكرًا على البشر، حتى لو أصبح من الممكن تقنيًا أن تؤديها الآلات.

وشبه جيتس الفكرة بالمحميات الطبيعية، التي يمكن للبشر بناء الطرق والمباني داخلها، لكنهم يختارون عدم القيام بذلك لأن خسارة تلك المساحات ستكون أكبر من الفائدة الاقتصادية.

وضرب مثالًا بالرعاية الصحية، مؤكدًا أن بعض جوانب العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض أو مقدم الرعاية والشخص المريض تحمل قيمة لا يمكن تعويضها بسهولة بالتكنولوجيا.

وقال إن هناك مواقف لا ينبغي للروبوت أن يحل فيها محل الإنسان، حتى إذا أصبح قادرًا من الناحية التقنية على تنفيذ المهمة.

بيل جيتس يحذر: الذكاء الاصطناعي تجاوز «عتبات الخطر».. والروبوتات تهدد 30% من الوظائف

ضريبة على الروبوتات والذكاء الاصطناعي

كما طرح جيتس فكرة فرض ضرائب على استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات التي تحل محل العمالة البشرية، بهدف توفير موارد مالية لتمويل برامج إعادة التدريب وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.

ويرى أن الحكومات ستحتاج إلى موارد إضافية لمساعدة الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم بسبب الأتمتة، سواء من خلال التدريب على مهارات جديدة أو تقديم دعم مؤقت خلال مرحلة الانتقال.

وأشار إلى إمكانية استخدام الضرائب على أرباح الشركات أو ما وصفه بـ«ضريبة الرموز» المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الهدف هو الحصول على جزء من المكاسب الاقتصادية التي تحققها التكنولوجيا وتوجيهها إلى الأشخاص المتضررين من التحول.

وأكد جيتس أن القضية لا تتمثل في وقف تطور الذكاء الاصطناعي، وإنما في كيفية توزيع المكاسب التي سيولدها بصورة أكثر عدلًا.

«لقد تجاوزنا عتبات الخطر»

وفي مقابلة مع «MIT Technology Review»، قال جيتس إنه يشعر بالصدمة لأن الذكاء الاصطناعي تجاوز بالفعل ما كان يعتبره سابقًا عتبات تستدعي استعدادًا حكوميًا ومجتمعيًا أكبر.

وأوضح أن هذه العتبات تشمل القدرات البيولوجية، والقدرات السيبرانية، والتأثيرات النفسية والاجتماعية، وتدمير الوظائف، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بالقدرة على السيطرة على الأنظمة المتقدمة.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على المساعدة في تنفيذ هجمات سيبرانية معقدة، كما أصبحت بعض النماذج قادرة على التعامل مع مسائل بيولوجية وكيميائية متقدمة، ما يستدعي وضع آليات رقابة أكثر صرامة.

وأكد أن النماذج القادرة على تصميم جزيئات جديدة ينبغي أن تخضع للمراقبة، محذرًا من المخاطر التي قد تنشأ عن إساءة استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي في المجال البيولوجي.

كما دعا إلى تعزيز التعاون الدولي، بما في ذلك بين الولايات المتحدة والصين، لوضع قواعد مشتركة للتعامل مع هذه المخاطر.

الذكاء الاصطناعي والهيمنة على الوظائف

مخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم

ولم يستبعد جيتس أن يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى العملية التعليمية نفسها.

وأشار إلى مفارقة تتمثل في أن الأداة التي يمكن أن تمنح البشر قدرة غير مسبوقة على التعلم والوصول إلى المعلومات قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع مهارات التفكير النقدي لدى بعض المستخدمين، خصوصًا الشباب، إذا أصبح الاعتماد عليها مفرطًا.

ويرى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم يجب أن يركز على تعزيز قدرات الإنسان وليس استبدال عملية التفكير والتعلم.

الذكاء الاصطناعي قد يسرّع التحول الأخضر

ورغم لهجة التحذير، أكد جيتس أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات هائلة يمكن أن تساعد البشرية في مواجهة عدد من أكبر تحدياتها.

وأشار إلى إمكانية استخدام التكنولوجيا لتسريع الابتكار في مجالات الطاقة النظيفة، ومكافحة تغير المناخ، والزراعة، والرعاية الصحية، واكتشاف الأدوية، ومكافحة الأمراض.

ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة قوية لمساعدة الأسر منخفضة الدخل أيضًا، من خلال تبسيط التعامل مع الإجراءات الحكومية والقانونية المعقدة، والوصول إلى برامج الدعم والخدمات المتاحة.

الذكاء الاصطناعي قد يسرّع التحول الأخضر

«لا توجد خطة» لمواجهة التحول

وأكد جيتس أن المشكلة الأكثر إلحاحًا تتمثل في غياب خطة شاملة للتعامل مع التحول المقبل، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يؤثر في سوق العمل فقط، وإنما سيمتد تأثيره إلى التعليم، والضرائب، والطاقة، والانتخابات، والصحة العامة، والنظام المالي، والأمن القومي، والنقل، وإنفاذ القانون وغيرها من القطاعات.

ودعا إلى إنشاء هيئات وطنية متخصصة قادرة على تنسيق سياسات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، إلى جانب إنشاء منظمة دولية جديدة للتعامل مع المخاطر العابرة للحدود.

وأشار إلى أن هذه المنظمة يمكن أن تستفيد من نماذج التعاون الدولي الموجودة بالفعل، مثل أنظمة التفتيش المتعلقة بالأسلحة النووية، والقواعد الدولية للطيران، والاتفاقيات التي ساعدت على حماية طبقة الأوزون.

وقال جيتس إن العالم بحاجة إلى التحرك قبل أن تصبح آثار التحول أكبر من قدرة الحكومات والمجتمعات على التعامل معها، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستكون «مضطربة للغاية»، لكنها قد تقود في النهاية إلى وفرة أكبر إذا نجحت البشرية في إدارة عملية الانتقال بصورة عادلة وآمنة.

ويخلص تحذير جيتس إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير سوق العمل، وإنما كيف ستستعد الحكومات والشركات والمجتمعات لهذه التغييرات، وكيف يمكن ضمان أن تصل مكاسب الثورة التكنولوجية إلى أكبر عدد ممكن من البشر بدلًا من أن تتحول إلى مصدر جديد لاتساع فجوة عدم المساواة.

Exit mobile version