بقايا طعام محترق تكشف أسرار مطبخ العصر الحجري.. مفاجآت عن غذاء البشر قبل آلاف السنين

أوانٍ فخارية عمرها آلاف السنين تكشف وصفات الطهي في العصر الحجري

أظهرت دراسة علمية حديثة، أن وجبات البشر في العصر الحجري كانت أكثر تنوعًا وتعقيدًا مما كان يعتقد سابقًا، بعدما كشف تحليل بقايا الطعام المحترق على الأواني الفخارية القديمة عن خلط الأسماك مع التوت والبذور والنباتات البرية في وجبات واحدة.

وتشير النتائج إلى أن طهاة العصر الحجري لم يعتمدوا على السمك فقط كمصدر رئيسي للغذاء، بل كانوا يبتكرون وصفات متنوعة تعتمد على الموارد الطبيعية المتاحة في مناطقهم.

بقايا محترقة تحافظ على آثار الوجبات القديمة

ركز الباحثون على القشور السوداء المتفحمة الملتصقة داخل الأواني الفخارية القديمة، وهي بقايا الطعام الذي احترق أثناء الطهي قبل آلاف السنين.

قادت الدراسة عالمة الآثار Lara González Carretero من University of York، حيث قام الفريق بتحليل بقايا الطعام باستخدام تقنيات مجهرية متقدمة للكشف عن الأنسجة النباتية الدقيقة التي بقيت محفوظة بعد الطهي والتفحم.

وأظهرت النتائج أن هذه البقايا احتوت على أجزاء من التوت والبذور والحبوب والنباتات البرية التي تم طهيها مع الأسماك داخل الأواني نفسها.

وقد نُشرت الدراسة في مجلة PLOS One العلمية.

طرق جديدة لدراسة غذاء البشر القدماء

اعتمد علماء الآثار لفترة طويلة على تحليل الدهون القديمة الممتصة داخل الفخار، لأن هذه الدهون تبقى محفوظة لفترات طويلة.

لكن هذه الطريقة قد تخفي وجود المكونات النباتية، لأن الدهون الحيوانية – خاصة دهون الأسماك – تظل في الفخار لفترة أطول من البروتينات أو السكريات النباتية.

ولهذا ركزت الدراسة الجديدة على القشور المتفحمة نفسها باعتبارها سجلاً مباشراً للوجبة الأخيرة التي طُهيت داخل الإناء.

الاستخدامات الانتقائية للأطعمة النباتية في الطهي لدى الصيادين وجامعي الثمار والأسماك في شمال وشرق أوروبا

تقنيات مجهرية تكشف مكونات الطعام

استخدم الباحثون تقنيات متقدمة مثل المجهر الإلكتروني الماسح للكشف عن البنى المجهرية لبقايا النباتات.

ومن خلال هذه التقنية تمكنوا من تحديد:

كما كشفت التحليلات الكيميائية عن وجود دهون أسماك وحيوانات أخرى، وهو ما يفسر سبب اعتقاد دراسات سابقة بأن هذه الأواني كانت تُستخدم لطهي السمك فقط.

وللتأكد من النتائج، قام العلماء بإعادة طهي توت ونباتات برية حديثة في أوانٍ فخارية مشابهة لتلك القديمة، ثم قارنوا القشور المتكونة بما عُثر عليه في الأواني الأثرية.

الاستخدامات الانتقائية للأطعمة النباتية في الطهي لدى الصيادين وجامعي الثمار والأسماك في شمال وشرق أوروبا

مواقع أثرية تكشف وصفات مختلفة

حللت الدراسة 85 عينة من القشور المتفحمة من 13 موقعًا أثريًا يعود تاريخها إلى الفترة بين الألفية السادسة والثالثة قبل الميلاد.

وأظهرت النتائج أن 58 عينة احتوت على بقايا نباتية واضحة إلى جانب بقايا الأسماك.

كما كشفت الدراسة عن اختلافات إقليمية في المكونات المستخدمة:

وتشير هذه الاختلافات إلى أن المجتمعات القديمة اعتمدت على مواردها المحلية في إعداد الطعام.

الاستخدامات الانتقائية للأطعمة النباتية في الطهي لدى الصيادين وجامعي الثمار والأسماك في شمال وشرق أوروبا

اختيارات غذائية مقصودة

تشير الأدلة إلى أن اختيار النباتات لم يكن عشوائيًا، بل يبدو أنه كان اختيارًا مقصودًا يعتمد على الطعم والقيمة الغذائية.

فقد كشفت الصور المجهرية عن:

كما أظهرت بعض البقايا مؤشرات موسمية، مثل استخدام أوراق النباتات قبل وبعد تكوين البذور، ما يدل على أن جمع المكونات كان يتم خلال فترات مختلفة من السنة.

الأواني الفخارية تكشف هوية المجتمعات

لم تقتصر الأدلة على الطعام فقط، بل شملت أيضًا خصائص الأواني نفسها.

فقد لاحظ الباحثون أن الأواني المصنوعة بالطريقة نفسها غالبًا ما تحتوي على المكونات الغذائية نفسها، حتى داخل المنطقة الواحدة.

وهذا يشير إلى أن طرق الطهي كانت مرتبطة بالتقاليد الثقافية والحرفية للمجتمعات القديمة.

الطهي غيّر خصائص النباتات

أظهرت الدراسة أيضًا أن الطهي في الأواني الفخارية كان يغير خصائص بعض النباتات، مثل:

فعلى سبيل المثال، يقلل الطهي من السمية الخفيفة الموجودة في بعض أنواع التوت، ما يجعلها أكثر أمانًا للاستهلاك.

حدود الدراسة وآفاق البحث

رغم هذه النتائج المهمة، يشير الباحثون إلى أن القشور المتفحمة تمثل جزءًا صغيرًا فقط من ممارسات الطهي القديمة، لأن كثيرًا من الوجبات لم تترك بقايا محفوظة.

كما أن الدهون السمكية ما تزال تهيمن على التحليلات الكيميائية، مما يجعل تقدير كمية النباتات المستخدمة بدقة أمرًا صعبًا.

ويرى العلماء أن توسيع الدراسات لتشمل مزيدًا من الأواني والمناطق قد يساعد في فهم كيف تطورت تقاليد الطهي والغذاء مع انتشار الزراعة في أوروبا القديمة.

Exit mobile version