باحثون ينجحون في إنتاج شرائح نباتية تشبه اللحوم باستخدام بروتين البطاطس والفول، لكن المرارة والمذاق المتبقي يظلان عقبة أمام طرحها تجاريًا
في خطوة قد توسّع خيارات الأغذية النباتية، توصل باحثون إلى أن بروتين البطاطس يمكن أن يساعد في إنتاج بدائل للحوم خالية من الجلوتين، تتمتع بقوام متماسك وقابل للمضغ، بما قد يوفر خيارًا إضافيًا للأشخاص الذين لا يستطيعون تناول الجلوتين، ومن بينهم المصابون بمرض السيلياك.
وأظهرت الدراسة أن دمج بروتين البطاطس مع بروتين الفول أتاح إنتاج شرائح نباتية ذات بنية قوية تشبه الألياف الموجودة في اللحوم. لكن الاختبارات كشفت تحديًا مهمًا يتعلق بالطعم، إذ سجلت المستشعرات الإلكترونية مستويات أعلى من المرارة وقبوضة الفم، إلى جانب مذاق لاحق أكثر وضوحًا.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة غرينتش البريطانية، بالتعاون مع باحث من جامعة هيريوت وات في إدنبرة، ونُشرت نتائجها في مجلة Food Hydrocolloids.
لماذا يتجه الباحثون إلى بروتين الفول؟
تعتمد منتجات كثيرة من اللحوم النباتية على بروتين الصويا والبازلاء وجلوتين القمح، الذي يؤدي دورًا مهمًا في تكوين الألياف المرنة التي تمنح البدائل النباتية قوامًا قريبًا من اللحوم.
لكن الجلوتين لا يناسب الأشخاص المصابين بالسيلياك، وهو اضطراب مناعي يتفاعل فيه الجسم مع الجلوتين، ما يجعل تطوير بدائل خالية منه أولوية لتحسين الخيارات الغذائية المتاحة لهذه الفئة.
ويقدم الفول مصدرًا بديلًا للبروتين، إذ تتراوح نسبة البروتين فيه بين 19% و39%، وفقًا للمادة البحثية، كما يمكن زراعته في مناطق ذات مناخ بارد نسبيًا، ما قد يجعله خيارًا محليًا في بعض الأسواق بدلًا من الاعتماد على فول الصويا المستورد.
ويرى الباحثون أن الفول لا يزال أقل استخدامًا مما يستحق في صناعة بدائل اللحوم، رغم إمكاناته كمصدر للبروتين النباتي.
كيف تحولت البروتينات إلى شرائح تشبه اللحوم؟
اختبر الفريق ثلاث تركيبات: بروتين الفول وحده، ومزيج يتكون من 75% بروتين فول و25% جلوتين القمح، ومزيج آخر يضم 75% بروتين فول و25% بروتين بطاطس.
واستخدم الباحثون تقنية البثق عالي الرطوبة، التي تعتمد على خلط المكونات بالماء ودفعها عبر أسطوانة ساخنة بواسطة لولبين دوّارين. وتساعد الحرارة والضغط والخلط على تغيير بنية البروتينات وتنظيمها في صورة ألياف، ثم تتماسك المادة عند خروجها من الجهاز وتبريدها.
وتراوحت درجات الحرارة داخل الجهاز بين 40 درجة مئوية عند المدخل و150 درجة مئوية في الجزء الأوسط، قبل أن تنخفض نسبيًا قرب المخرج.
وأنتجت العملية شرائح مسطحة تحتوي على أكثر من 50% من الماء، وهو ما يوضح أهمية التحكم في الرطوبة والحرارة أثناء تصنيع البدائل النباتية.
بروتين البطاطس يمنح قوامًا أكثر صلابة
أظهرت الاختبارات أن مزيج بروتين البطاطس احتاج إلى طاقة ميكانيكية أعلى بنحو 25% أثناء المعالجة مقارنة ببروتين الفول وحده.
وعند اختبار مقاومة الشرائح للالتواء، سجّل المزيج المحتوي على بروتين البطاطس مقاومة بلغت نحو ضعفين ونصف مقاومة مزيج الفول وحده، بينما بلغت مقاومة مزيج الجلوتين نحو مرة ونصف مقاومة الفول وحده، وفقًا لنتائج الدراسة.
وربط الباحثون هذه النتائج بتكوين شبكة بروتينية قوية، تتضمن أنواعًا مختلفة من الروابط بين سلاسل البروتين، ما يساعد المادة على الاحتفاظ ببنيتها ومقاومة التشوه.
لكن الصلابة وحدها لا تكفي لصناعة بديل ناجح للحوم. فقد أظهر مزيج الجلوتين ملمسًا أكثر ليونة ومرونة عند الضغط، بينما كان مزيج البطاطس أكثر صلابة وأقل ارتدادًا إلى شكله الأصلي. ومع ذلك، سجل المزيجان نتائج متقاربة في اختبار قابلية المضغ.
المرارة.. العقبة أمام الاستخدام التجاري
على الرغم من تفوق بروتين البطاطس في بعض اختبارات البنية، كشفت المستشعرات الإلكترونية أن المزيج كان أكثر مرارة وقبوضة للفم، وترك مذاقًا لاحقًا أقوى مقارنة بالتركيبات الأخرى.
وقبوضة الفم هي الإحساس بالجفاف أو الانكماش الذي قد يشعر به الإنسان عند تناول بعض الأطعمة والمشروبات، مثل الشاي شديد التركيز.
واستخدم الباحثون مستشعرات إلكترونية لتحليل خصائص الطعم، ولم يتذوق المشاركون من البشر العينات. لذلك، لا تثبت النتائج كيف سيقيّم المستهلكون مذاق المنتج فعليًا أو مدى تقبلهم له.
ويقترح الباحثون أن اختلاف بنية البروتينات أثناء المعالجة قد يفسر جزءًا من المشكلة؛ إذ يمكن أن يؤدي انفتاح بروتينات البطاطس إلى كشف مركبات ترتبط بالمرارة، في حين قد تحد البنية الأكثر تماسكًا لمزيج الجلوتين من انتقال بعض هذه المركبات إلى السائل.
لكن هذه تفسيرات محتملة تحتاج إلى مزيد من الاختبارات، وليست أسبابًا حُسمت بصورة نهائية.
هل يمكن تحسين الطعم؟
طرح الباحثون عدة أفكار تستحق الدراسة، من بينها استخدام إنزيمات تساعد على تكوين روابط أكثر إحكامًا بين البروتينات، أو إضافة الدهون للمساعدة في الحد من انتقال بعض المركبات المسببة للمرارة.
غير أن هذه الحلول لم تُختبر ضمن الدراسة نفسها، ولذلك لا يمكن الجزم بفعاليتها حتى الآن.
كما اقتصرت التجارب على نسب محددة من المكونات وعلى جهاز مختبري صغير، ما يعني أن الانتقال إلى الإنتاج الصناعي سيتطلب ضبط محتوى الماء ودرجات الحرارة وإعدادات الخلط والضغط، فضلًا عن تقييم القوام والعصيرية أثناء المضغ.
خطوة واعدة.. لكنها ليست منتجًا جاهزًا للأسواق
تفتح النتائج مسارًا بحثيًا لتطوير بدائل للحوم تجمع بين بروتين الفول وبروتين البطاطس، وقد تساعد في تقليل الاعتماد على الجلوتين في بعض المنتجات النباتية.
لكن الدراسة لا تعني أن بديلًا جديدًا أصبح جاهزًا للطرح التجاري؛ فما زالت هناك حاجة إلى معالجة مشكلة الطعم، واختبار التركيبات على نطاق أوسع، وإجراء تقييمات بشرية للحكم على تقبل المستهلكين.
وتكمن أهمية البحث في إظهار أن بروتين البطاطس قادر على أداء دور بنيوي مهم في بدائل اللحوم، مع بقاء التحدي الحقيقي في الجمع بين القوام الجيد والطعم المقبول والتصنيع القابل للتوسع.
المصدر: دراسة منشورة في مجلة Food Hydrocolloids، بعنوان بحثي عن استخدام بروتين البطاطس في تطوير بدائل نباتية للحوم خالية من الجلوتين.
