باحث في الروبوتات: السلامة يجب أن تكون الأولوية قبل انتشار الروبوتات البشرية

روبوتات بشرية تتقن القفز والركض.. لكن هل تستطيع العمل بأمان حول البشر؟

تتسارع وتيرة تطوير الروبوتات البشرية القادرة على المشي والقفز والركض وتنفيذ حركات معقدة، لكن أحد أبرز الباحثين في مجال سلامة الروبوتات يحذر من أن التقدم في الأداء الحركي لا يعني بالضرورة أن هذه الآلات أصبحت جاهزة للعمل بأمان إلى جانب البشر.

 

ويؤكد آرون أميس، أستاذ الهندسة الميكانيكية والمدنية وأنظمة التحكم والديناميكيات في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech)، ورئيس مركز الأنظمة والتقنيات المستقلة (CAST)، أن السلامة يجب أن تسبق التوسع في استخدام الروبوتات البشرية في الحياة اليومية.

 

ويرى أميس أن غياب معايير واضحة للسلامة قد يؤدي حتمًا إلى وقوع إصابات، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الجهود الحالية تركز على قدرة الروبوتات على تنفيذ حركات مبهرة، بينما لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الأداء في بيئة اختبار محكومة وبين التعامل مع عالم حقيقي سريع التغير ومليء بالعوائق غير المتوقعة.

 

مهارات مبهرة لا تضمن السلامة

بيل جيتس يحذر: الذكاء الاصطناعي تجاوز «عتبات الخطر».. والروبوتات تهدد 30% من الوظائف

تظهر مقاطع الفيديو الحديثة روبوتات بشرية تلعب كرة القدم، وترقص، وتقفز لمسافات كبيرة في الهواء، وتنفذ حركات شبيهة بالباركور، وتصعد السلالم شديدة الانحدار، بل وتشارك في عروض تحاكي رياضة الكيك بوكسينج.

 

لكن هذه القدرات، وفق أميس، لا تعالج بالضرورة المشكلات الأساسية التي ستواجه الروبوتات عندما تعمل وسط البشر وفي بيئات متحركة.

 

فالروبوت الذي يؤدي حركة معقدة في مختبر أو في ظروف مصممة مسبقًا لا يواجه بالضرورة التحديات نفسها التي تظهر عندما يتحرك شخص فجأة أمامه، أو يقترب منه جسم متحرك، أو يظهر حيوان أليف في مساره.

 

ويقول أميس إن التعامل مع أمور تبدو بسيطة بالنسبة إلى الإنسان، مثل تجنب الدوس على كلب يتحرك بالقرب منه، يمكن أن يكون صعبًا بصورة مفاجئة بالنسبة إلى الروبوت.

 

وتزداد أهمية هذه المشكلة مع اتجاه الشركات إلى توسيع نطاق إنتاج الروبوتات البشرية ونشرها، في وقت يرى فيه أميس أن بعض هذه الجهود تركز بصورة كبيرة على الأداء وعلى إنتاج عروض تقنية جذابة، من دون أن تحظى السلامة بالاهتمام نفسه.

https://www.youtube.com/watch?v=Cg6ENnGlrE4

 

فجوة بين المختبر والعالم الحقيقي

الروبوتات

تعمل الروبوتات البشرية في بيئات ديناميكية تتغير باستمرار، ولذلك تحتاج إلى استشعار ما يحيط بها وتقييم المخاطر والاستجابة لها بسرعة.

 

وهنا تظهر فجوة بين تنفيذ مهمة في ظروف يمكن التحكم فيها مسبقًا وبين اتخاذ قرار آمن في بيئة لا يمكن التنبؤ بكل تفاصيلها.

 

ويستشهد أميس بما حدث في بدايات صناعة السيارات ذاتية القيادة، حيث أدت مشكلات تتعلق بالسلامة إلى إغلاق برامج بارزة في هذا المجال، مشيرًا إلى أنه لا يريد أن تواجه الروبوتات المصير نفسه.

 

ويعمل فريقه في كالتيك على تطوير أدوات تسمح بتوفير ضمانات رياضية للسلامة، بحيث لا تعتمد حماية البشر على نجاح نظام التعلم الآلي في توقع كل موقف ممكن.

 

عندما تصبح الرياضيات طبقة حماية

الروبوتات في كل المجالات تقريبا

بدأ اهتمام أميس بسلامة الروبوتات قبل أكثر من عقد، عندما كان يعمل على تصميمات مبكرة للروبوتات البشرية، ولاحظ الحاجة إلى وجود ضمانات رسمية يمكن من خلالها إثبات سلامة النظام.

 

ومن هذا العمل ظهرت «دوال حاجز التحكم» (Control Barrier Functions – CBFs)، وهي أدوات رياضية طُرحت في عام 2014 خلال مؤتمر IEEE حول التحكم واتخاذ القرار.

 

وتوفر هذه الدوال طريقة رياضية لتعريف مجموعة من الأفعال الآمنة التي ينبغي للنظام الالتزام بها.

 

ويمكن أن تتضمن هذه القيود، على سبيل المثال، الحفاظ على مسافة محددة من العوائق المتحركة، والحفاظ على توازن الروبوت، واحترام حدود حركة المفاصل، وعدم تجاوز سرعة معينة.

وتكمن أهمية هذه الطريقة في فصل السلامة عن هدف تحسين الأداء.

 

فبدلًا من مطالبة نظام الذكاء الاصطناعي بالتعامل في الوقت نفسه مع تحسين أدائه وإثبات أن كل أفعاله آمنة، يمكن استخدام مرشح للسلامة يعتمد على دوال حاجز التحكم لتعديل مدخلات نظام التحكم القائم على التعلم، بحيث تظل الأفعال ضمن الحدود الآمنة.

 

وبهذه الطريقة تعمل دوال حاجز التحكم، وفق هذا النهج، كحواجز رياضية بين نظام الذكاء الاصطناعي والعالم المادي.

 

من الطائرات المسيرة إلى الروبوتات البشرية

اختبر أميس وطلابه وزملاؤه دوال حاجز التحكم على مجموعة متنوعة من الأنظمة الروبوتية، بما في ذلك الطائرات المسيرة والروبوتات رباعية الأرجل، وحتى طائرة مقاتلة من طراز F-16.

 

وأصبحت هذه التقنية جزءًا من مجموعة واسعة من الأبحاث في مجال أنظمة التحكم والديناميكيات والروبوتات.

 

كما شارك أميس في تأسيس شركة «3Laws» التي عملت على تسويق طبقة أمان قائمة على دوال حاجز التحكم لأنواع متعددة من الأنظمة الروبوتية المتنقلة، بما فيها الروبوتات الأرضية المستخدمة في المستودعات، والطائرات المسيرة والمركبات ذاتية القيادة.

 

واستحوذت شركة «أمازون» على «3Laws» في وقت سابق من العام، ويعمل أميس حاليًا باحثًا لدى أمازون، إلى جانب قيادته مختبره في كالتيك ومختبر «Safe Autonomy Frontiers» التابع لـ«Amazon Robotics».

 

إعادة تطبيق دوال الأمان على الروبوتات البشرية

في مختبر أميس المعروف باسم «AMBER Lab»، أو مختبر الروبوتات التجريبية الميكانيكية المتقدمة ذات القدمين، يعمل الباحثون على اختبار أنظمة التحكم على روبوتات بشرية وروبوتات رباعية الأرجل.

 

وتشمل الاختبارات مهامًا تبدو مثيرة، مثل جعل روبوت بشري يقفز فوق منصات خشبية ثم يعود إلى الأرض بأمان، لكن الجزء الأكبر من العمل يتم أمام شاشات الحاسوب، حيث يطور طلاب الدراسات العليا والباحثون أنظمة رياضية للتحكم في الروبوتات وضمان سلامتها.

 

وكانت دوال حاجز التحكم قد طُورت في الأساس استجابة للحاجة إلى جعل الروبوتات البشرية أكثر أمانًا، لكن تطبيقاتها الواسعة على أنواع أخرى من الروبوتات جعلت البحث يتحول لفترة من الزمن بعيدًا عن الروبوتات ذات القدمين.

 

وخلال العام الماضي تقريبًا، عاد مختبر AMBER إلى تطبيق هذه الأدوات بصورة مباشرة على الروبوتات البشرية، وأصبح هذا العمل أحد محاور البحث الرئيسية في المختبر.

 

ويقول أميس إن نقل الأدوات الرياضية إلى الروبوتات ذات الأرجل تم بصورة جيدة، وإن فريقه نشر أو قدم خلال العام الماضي عشرات الأوراق البحثية في دوريات ومؤتمرات متخصصة توضح كيف يمكن استخدام دوال حاجز التحكم لتوفير ضمانات رياضية لسلامة الروبوتات البشرية.

 

روبوت يتجنب الاصطدام بالبيئة

أظهرت إحدى هذه الدراسات، التي قدمت في المؤتمر الدولي للروبوتات والأتمتة التابع لـIEEE، أن الجمع بين دوال حاجز التحكم وأدوات حديثة للذكاء الاصطناعي، مثل التعلم المعزز، يمكن أن يسمح لروبوت بشري بتجنب الاصطدام بالبيئة المحيطة به.

 

ويعتمد التعلم المعزز على تدريب النظام من خلال مكافأته عندما يتصرف بالطريقة المطلوبة، بما يسمح له بتحسين أدائه تدريجيًا.

 

وتم توسيع هذا النهج لاحقًا ليشمل قدرة الروبوت على تجنب كرة تُرمى باتجاهه، وفي التجارب، يستطيع الروبوت اكتشاف الكرة المتحركة وتغيير مساره لتجنبها، كما يمكن استخدام التقنية نفسها لمساعدة الروبوت على الابتعاد عن العوائق أو الأشخاص المتحركين.

 

وأظهرت تسجيلات أخرى روبوتًا بشريًا يقترب من شخص، ثم يتوقف ويتراجع عندما يقترب منه بصورة أكبر من المسافة الآمنة.

 

«ليدار» لرصد البيئة المحيطة

وفي دراسة أخرى قبلت للنشر في مجلة «IEEE Robotics and Automation Letters»، زود الفريق روبوتًا بشريًا بمستشعر «ليدار» (LIDAR)، وهو نظام يستخدم نبضات ضوئية لقياس المسافات وتحديد مواقع الأجسام المحيطة.

 

ويسمح المستشعر للروبوت برصد المسافة بينه وبين الأجسام الموجودة في البيئة، بما فيها الأجسام المتحركة.

 

ويصف زاك أولكين، طالب الدراسات العليا في مختبر AMBER، هذا النهج بأنه يجمع بين إدراك البيئة المحيطة، واستخدام أدوات رياضية لتحديد مناطق الأمان، ثم الاستعانة بالتحسين الرياضي لتحديد المسار الأكثر أمانًا.

 

وفي إحدى التجارب، ينحرف الروبوت إلى جانب الطريق لتجنب شخص يقترب منه، بينما أظهرت تجربة أخرى تفاعل كلب مع الروبوت ودفعه بصورة غير مباشرة إلى الابتعاد عن مساره.

 

ويشير أولكين إلى أن الروبوتات في العالم الحقيقي تحتاج إلى أن تكون واعية بوجود الأشخاص والعوائق من حولها، لأن التوقف التام عند ظهور كل عائق سيحرم الروبوت من القدرة على تنفيذ مهامه.

 

لماذا لا يكفي التعلم الآلي وحده؟

يرى أميس أن الجمع بين أساليب التحكم التقليدية الموجهة، مثل دوال حاجز التحكم، وتقنيات الذكاء الاصطناعي يمثل أحد المسارات الرئيسية لتطوير سلامة الروبوتات البشرية.

 

ويؤكد أن التعلم الآلي وحده لا يستطيع تقديم ضمان رياضي بأن النظام لن يصدر أمرًا غير آمن.

 

فالتعلم الآلي قادر على تحسين الأداء من خلال التعلم من البيانات ومحاولة تقليد الأنماط التي اكتشفها، لكنه لا يقدم بالضرورة برهانًا رياضيًا يثبت أن كل الأفعال الممكنة للنظام تقع داخل نطاق آمن.

 

ولهذا السبب، يرى أميس أن الأدوات الرياضية تتميز بإمكانية وصف القيود والتحقق منها بصورة رسمية، بما يسمح ببناء ضمانات يمكن فحصها بدلًا من الاعتماد على السلوك السابق للنظام وحده.

 

وقد تجعل إضافة طبقة السلامة النظام أبطأ أو أقل إثارة في بعض المهام، لكنها في المقابل تهدف إلى الحد من الأفعال غير الآمنة.

 

كما أن السلامة ليست منفصلة تمامًا عن الأداء؛ فالروبوت الذي يسقط أثناء تنفيذ مهمة، على سبيل المثال، لا يحقق أداءً جيدًا حتى لو كان قادرًا نظريًا على تنفيذ المهمة بسرعة.

 

من الاستعراض إلى الاستخدام اليومي

يرى أميس أن الجمع بين الأساليب الراسخة في التحكم والابتكارات الحديثة في الروبوتات والتعلم يمكن أن يساعد في الانتقال بالروبوتات البشرية من العروض التجريبية إلى تنفيذ مهام مفيدة في العالم الحقيقي.

 

لكن تحقيق ذلك يتطلب، بحسب هذا النهج، القدرة على التعامل مع الأشخاص والعوائق والظروف المتغيرة، إلى جانب وجود أدوات يمكن من خلالها التحقق من أن سلوك الروبوت يظل داخل حدود السلامة المحددة.

 

فالهدف النهائي ليس فقط أن يتمكن الروبوت من المشي أو القفز أو تنفيذ حركات معقدة، وإنما أن يستطيع القيام بمهام مفيدة في وجود البشر مع الحفاظ على سلامتهم.

 

ويرى أميس أن الوصول إلى هذا المستوى يتطلب معرفة أن الروبوت يمكن الوثوق بأنه سيتصرف بصورة صحيحة عندما ينتقل من البيئة المختبرية إلى العالم الحقيقي.

↑
Exit mobile version