كشفت دراسة علمية جديدة أن المواد الكيميائية المنبعثة من إطارات السيارات المتآكلة لا تقتصر أضرارها على البيئة والطرق، بل قد تجد طريقها إلى السلسلة الغذائية عبر التربة والمحاصيل الزراعية، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مصدر غير مرئي من مصادر تلوث الغذاء.
وأوضح الباحثون أن ملايين المركبات حول العالم تترك خلفها جزيئات دقيقة من المطاط نتيجة الاحتكاك المستمر بالإسفلت أثناء القيادة والفرملة والانعطاف.
وتنتشر هذه الجزيئات في جوانب الطرق والخنادق والحقول الزراعية المجاورة، حيث يمكن أن تتحول إلى مستودعات طويلة الأمد للمواد الكيميائية الملوثة.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Environmental Research العلمية، مسلطة الضوء على مصدر جديد للتلوث البيئي قد يتطلب مزيدًا من الرقابة والبحث في ظل التوسع المستمر في استخدام المركبات حول العالم.
مليارات الإطارات وملايين الجزيئات الدقيقة
يُنتج العالم سنويًا نحو 1.5 مليار إطار سيارة، ومع الاستخدام اليومي تتآكل أجزاء صغيرة من هذه الإطارات وتنفصل عنها على شكل جزيئات دقيقة تعرف علميًا باسم “جزيئات تآكل الإطارات“.
وتُعد هذه الجزيئات بالفعل من أكبر مصادر التلوث بالبلاستيك الدقيق على مستوى العالم، إلا أن المشكلة لا تتوقف عند المطاط نفسه، إذ تحتوي الإطارات على مجموعة من الإضافات الكيميائية التي تُستخدم أثناء التصنيع لتحسين الأداء والمتانة، ويمكن أن تتسرب تدريجيًا إلى البيئة بعد انفصال الجزيئات عن الإطار.
سد فجوة علمية مهمة
كانت دراسات سابقة قد رصدت وجود مواد كيميائية مرتبطة بالإطارات داخل بعض الخضروات والمحاصيل الزراعية، لكن معظم تلك الأبحاث اعتمدت على إضافة المواد الكيميائية مباشرة إلى مياه الري أو التربة.
أما السؤال الذي ظل دون إجابة واضحة فكان ما إذا كانت جزيئات الإطارات نفسها قادرة على إطلاق هذه المواد بشكل تدريجي ومستمر داخل التربة الزراعية، وهو ما سعت الدراسة الجديدة إلى التحقق منه.
وقاد الدراسة الباحث تشاو جاو من الجامعة العبرية في القدس، بالتعاون مع البروفيسور بيني شيفيتز وفريق بحثي ضم علماء من جامعة فيينا.
زراعة الخس والبرسيم في تربة ملوثة
في إطار التجارب، أضاف الباحثون جزيئات حقيقية ناتجة عن تآكل الإطارات إلى تربة زراعية بتركيزات مماثلة لتلك الموجودة في الأراضي القريبة من الطرق، تراوحت بين 0.1% و1% من وزن التربة.
بعد ذلك جرى زراعة محصولين شائعين هما الخس والبرسيم، مع متابعة حركة ستة مركبات كيميائية معروفة بارتباطها بإطارات السيارات.
وراقب العلماء انتقال هذه المواد من جزيئات الإطارات إلى التربة، ثم إلى أنسجة النباتات، على مدى عدة أشهر.
إطلاق الملوثات على مرحلتين
أظهرت النتائج أن المواد الكيميائية لا تتحرر دفعة واحدة، بل تمر بمرحلتين مختلفتين.
ففي البداية تنطلق بعض المركبات سريعًا من سطح الجزيئات، ثم تبدأ مرحلة ثانية أبطأ تتسرب خلالها المواد المختزنة داخل المطاط تدريجيًا على مدى فترات طويلة.
ويعني ذلك أن جزيئات الإطارات المتناثرة في البيئة يمكن أن تستمر في تلويث التربة لفترات ممتدة بعد وصولها إليها.
وقال الدكتور إفياتار بن مردخاي، الباحث الرئيسي في الدراسة: “تشير نتائجنا إلى أن جزيئات تآكل الإطارات ليست مجرد بلاستيك دقيق يتراكم في البيئة، بل تعمل كمستودعات قصيرة وطويلة الأمد للمواد الكيميائية، حيث تطلق الملوثات تدريجيًا في التربة لتصبح متاحة لامتصاص النباتات”.
مركب كيميائي يثير القلق
لفت أحد المركبات الكيميائية الأنظار بشكل خاص، وهو مركب “1,3-ثنائي فينيل جوانيدين” المعروف اختصارًا بـ DPG.
وأظهرت النتائج أن هذا المركب استمر في التسرب من جزيئات الإطارات لفترات طويلة، كما بقي في التربة وتراكم داخل نباتي الخس والبرسيم بمستويات أعلى من باقي المركبات المدروسة.
وسُجلت أعلى تركيزات لهذا المركب في نبات الخس، ما يشير إلى احتمال وجود مسار تعرض غذائي لم يحظَ بالاهتمام الكافي في الدراسات السابقة.
ويرجع الباحثون هذا السلوك إلى أن المركب يحمل شحنة موجبة في ظروف التربة المستخدمة، ما يساعده على البقاء قريبًا من الجذور ويزيد فرص امتصاصه بواسطة النباتات.
رصد مادة شديدة السمية
كما اكتشف الباحثون وجود مادة أخرى تُعرف باسم “6PPD-كوينون”، وهي مادة اكتسبت شهرة واسعة خلال السنوات الأخيرة بسبب سميتها العالية وتأثيرها القاتل على أسماك السلمون في المياه الملوثة بالجريان السطحي القادم من الطرق.
ورصد الفريق هذه المادة داخل التربة والنباتات على حد سواء، ما يثير تساؤلات جديدة بشأن إمكانية انتقالها عبر السلسلة الغذائية وتأثيراتها المحتملة على صحة الإنسان والحياة البرية.
النباتات تغير شكل بعض الملوثات
كشفت الدراسة أيضًا أن النباتات لا تحتفظ بالمواد الكيميائية كما هي، بل تقوم بمعالجة بعضها وتحويلها إلى مركبات أخرى ناتجة عن عمليات التحلل الحيوي داخل الأنسجة النباتية.
وعثر الباحثون على نواتج تحلل لمركبات الإطارات داخل النباتات، ما يشير إلى أن الملوثات قد تتغير كيميائيًا أثناء انتقالها عبر السلسلة الغذائية، وهو ما يزيد من تعقيد تقييم مخاطرها البيئية والصحية.
الحاجة إلى مزيد من الدراسات
ورغم أهمية النتائج، أشار الباحثون إلى وجود بعض القيود في الدراسة، إذ لم يتم تتبع جميع نواتج التحلل داخل التربة أو الجذور، كما اقتصرت التجارب على نوع واحد من الإطارات، في حين تختلف التركيبة الكيميائية بين الشركات والأنواع المختلفة.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن جزيئات الإطارات ليست مجرد بقايا خاملة في البيئة، بل تمثل مصدرًا مستمرًا للمواد الكيميائية القادرة على الانتقال من الطرق إلى التربة الزراعية ثم إلى المحاصيل الغذائية.
