كشفت دراسة علمية حديثة عن سلوك غير متوقع لتلوث الهواء في المدن، حيث تبين أن أحد الغازات الشائعة، الذي كان يُعتقد أنه يحد من تكوّن الجسيمات الدقيقة، قد يؤدي في الواقع إلى زيادتها.
ويُعد أكسيد النيتريك (NO)، وهو غاز عديم اللون ينبعث من عوادم السيارات ومحطات الطاقة وعمليات الاحتراق، عنصرًا رئيسيًا في كيمياء الهواء الحضري، وكان يُنظر إليه لعقود على أنه يثبط التفاعلات التي تؤدي إلى تكوّن الجسيمات الدقيقة.
غير أن باحثين من جامعة تامبيري في فنلندا، بقيادة الباحث شاون باروا، اكتشفوا أن هذا الافتراض لا ينطبق في جميع الحالات، خاصة عند تفاعل الغاز مع مجموعة من الملوثات العضوية الشائعة في المدن.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة “Nature Communications“، وتركزت الدراسة على مركبات تُعرف باسم “الكربونيلات العطرية”، وهي مواد كيميائية تنبعث من عوادم المركبات والأنشطة الصناعية ومنتجات منزلية معطرة، وتُعد من المكونات الأساسية لتلوث الهواء الحضري.
وباستخدام مفاعل أنبوبي متصل بمطياف كتلة متطور، تمكن الباحثون من تتبع التفاعلات الكيميائية لحظة بلحظة، ورصد تكوّن الجزيئات الناتجة بدقة عالية.
وأظهرت النتائج أن إضافة كميات منخفضة إلى متوسطة من أكسيد النيتريك أدت إلى زيادة تكوّن الجزيئات الغنية بالأكسجين، وهي نواة لتشكّل الجسيمات الدقيقة، بدلًا من تقليلها كما كان يُعتقد.
وبالنسبة لبعض المركبات، مثل الأسيتوفينون، تضاعف إنتاج هذه الجزيئات بما يصل إلى عشرة أضعاف، بينما سجلت مركبات أخرى زيادات ملحوظة أيضًا.
غير أن هذا التأثير لم يستمر عند مستويات مرتفعة من الغاز، حيث لوحظ أنه عند تجاوز تركيز معين، بدأ أكسيد النيتريك في تقليل تكوّن هذه الجزيئات، ما يعكس سلوكًا معقدًا يعتمد على تركيز الغاز.
كما كشفت الدراسة عن سرعة كبيرة في هذه التفاعلات، إذ تمكنت بعض الجزيئات من اكتساب ما يصل إلى 12 ذرة أكسجين خلال أقل من ثانية واحدة.
ولفهم هذه الظاهرة، استخدم الباحثون نماذج حاسوبية لمحاكاة التفاعلات الكيميائية، وتبين أن أكسيد النيتريك قد يحوّل الجزيئات الوسيطة إلى أشكال أكثر نشاطًا، ما يعزز استمرار التفاعل بدلًا من إيقافه.
وفي المقابل، لم تُظهر جميع المركبات السلوك نفسه، حيث ظل البنزالدهيد شبه غير متأثر بوجود أكسيد النيتريك، وتحول في الغالب إلى مركبات أخرى مثل النيتروفينول، وهو ملوث معروف في البيئات الحضرية.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاختلافات الطفيفة في تركيب الجزيئات يمكن أن تؤدي إلى مسارات كيميائية مختلفة تمامًا، ما يزيد من تعقيد فهم تلوث الهواء.
ويرى الباحثون أن هذه الاكتشافات قد تفسر سبب صعوبة التنبؤ بمستويات الجسيمات الدقيقة في المدن، كما تشير إلى أن النماذج الحالية قد لا تعكس الواقع بدقة.
كما تطرح الدراسة تساؤلات حول تأثير سياسات خفض الانبعاثات، حيث قد لا يؤدي تقليل بعض الغازات إلى انخفاض مباشر في التلوث بالجسيمات الدقيقة كما كان متوقعًا.
ويمكن أن تسهم هذه النتائج في تحسين نماذج جودة الهواء، وتطوير استراتيجيات أكثر دقة للحد من التلوث وتأثيراته الصحية، خاصة في ما يتعلق بأمراض القلب والجهاز التنفسي.
