من تصدير الخامات إلى صناعة المستقبل.. معادن جديدة تفتح لأفريقيا باب اقتصاد الهيدروجين

الهيدروجين يفتح كنز أفريقيا المدفون.. سبائك جديدة تعيد رسم خريطة الطاقة النظيفة

تمتلك أفريقيا ثروة هائلة من المعادن التي تدخل في صناعات الطاقة النظيفة، لكنها لا تزال تحصل على جزء محدود من القيمة الاقتصادية التي تنتج عن تحويل هذه الموارد إلى مواد متقدمة وتقنيات صناعية. ويرى علماء أن فئة جديدة من المواد المعدنية، تعرف باسم السبائك عالية الإنتروبيا، قد تمنح القارة فرصة للانتقال من تصدير الخامات إلى تصنيع مواد ذات قيمة مضافة، خصوصًا في مجال تخزين الهيدروجين.

وتعتمد الفكرة على استغلال مزيج واسع من العناصر المعدنية لإنتاج سبائك ذات خصائص متقدمة، يمكن تصميمها لتكون أكثر قوة ومقاومة للحرارة والتآكل، مع إمكانية استخدامها في تخزين الهيدروجين ونقله ضمن سلاسل إمداد الطاقة النظيفة.

أفريقيا تصدر المعادن وتستورد القيمة

تنتج أفريقيا كميات ضخمة من المعادن الأساسية المستخدمة في تقنيات الطاقة النظيفة، إذ توفر القارة نحو ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي من المنجنيز، ونحو 70% من الكوبالت، وما يقرب من خمس الإنتاج العالمي من النحاس.

لكن المفارقة أن أفريقيا تحصل على أقل من 1% من القيمة الناتجة عن تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة التي تعتمد على هذه المعادن.

ويعني ذلك أن الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية يتولد خارج القارة، بعد تصدير المواد الخام إلى دول أخرى تتولى عمليات التكرير وتصنيع المواد المتقدمة والتقنيات النهائية.

ويؤكد الباحثون أن تغيير هذه المعادلة يتطلب الانتقال من اقتصاد استخراج وتصدير الخامات إلى اقتصاد يقوم على المعالجة والتكرير وتصنيع المواد المتقدمة.

وقد يؤدي هذا التحول إلى زيادة القيمة التي تحتفظ بها الدول الأفريقية محليًا، إلى جانب دعم التصنيع والابتكار وخلق وظائف جديدة وتعزيز التنمية المستدامة.

الهيدروجين

ما السبائك عالية الإنتروبيا؟

تختلف السبائك عالية الإنتروبيا عن السبائك التقليدية التي تعتمد عادةً على عنصر معدني رئيسي تضاف إليه كميات محدودة من عناصر أخرى.

فبدلًا من الاعتماد على معدن أساسي واحد، تجمع هذه المواد عادةً أكثر من ثلاثة عناصر، بنسب متساوية أو متفاوتة، بهدف الحصول على تركيبات تتمتع بخصائص لا تتوافر بالسهولة نفسها في السبائك التقليدية.

وبحسب الباحثين، يمكن تحسين هذه السبائك لتصبح أكثر قوة ومقاومة للحرارة والتآكل، فضلًا عن قدرتها على العمل لفترات أطول في بعض الظروف الصعبة.

ومن الأمثلة المعروفة سبيكة كانتور وبعض مشتقاتها، التي تتميز بالمتانة ومقاومة التآكل، كما تتحسن بعض خصائصها الميكانيكية عند درجات الحرارة شديدة الانخفاض.

لكن التحدي العلمي الرئيسي يتمثل في معرفة أي مجموعة من العناصر يمكن أن تنتج أفضل خصائص ممكنة.

سبائك جديدة لتخزين الهيدروجين

يركز فريق بحثي متعدد التخصصات على إمكانية استخدام السبائك عالية الإنتروبيا في أحد التحديات الرئيسية أمام اقتصاد الهيدروجين، وهو تخزين الهيدروجين ونقله بأمان وكفاءة.

ويُنظر إلى الهيدروجين باعتباره حاملًا للطاقة النظيفة، خصوصًا عندما يتم إنتاجه باستخدام مصادر منخفضة الانبعاثات.

وبلغ الطلب العالمي على الهيدروجين نحو 100 مليون طن متري في عام 2024، مع توقعات باستمرار نمو استخدامه خلال العقود المقبلة.

لكن تخزين الهيدروجين يمثل تحديًا تقنيًا بسبب احتياجه إلى مساحات وظروف تخزين مناسبة، إضافة إلى اعتبارات السلامة.

الهيدروجين

تحويل الهيدروجين إلى مادة صلبة

إحدى الطرق الواعدة تعتمد على هيدريدات المعادن، حيث يتم امتصاص ذرات الهيدروجين داخل معدن أو سبيكة، ثم إطلاقها عند الحاجة.

وتتمثل إحدى مزايا هذا الأسلوب في إمكانية تخزين كمية أكبر من الطاقة في حجم أصغر، مع إمكانية تحقيق مستوى مرتفع من الأمان مقارنة ببعض طرق التخزين الأخرى.

وتشير الدراسات السابقة إلى أن السبائك عالية الإنتروبيا يمكن تصميمها لامتصاص كميات من الهيدروجين مع الحفاظ على استقرارها خلال دورات متكررة من الامتصاص والإطلاق.

كما يمكن لبعض هذه المواد العمل بالقرب من درجات الحرارة والضغوط المحيطة، وهو ما يفتح المجال أمام تطبيقات محتملة في سلاسل إمداد الهيدروجين، ومنها الاستخدامات المرتبطة بوسائل النقل.

الهيدروجين

الكمبيوتر يختصر سنوات من التجارب

لكن اكتشاف أفضل تركيبة من السبائك عالية الإنتروبيا يمثل مهمة شديدة التعقيد، بسبب العدد الهائل من التركيبات الممكنة بين العناصر المختلفة.

ويقول الباحثون إن اختبار كل تركيبة في المختبر سيكون مكلفًا ويحتاج إلى وقت طويل، وهنا تأتي أهمية علم المواد الحاسوبي.

وباستخدام تقنيات مثل نظرية الكثافة الوظيفية، يمكن للعلماء محاكاة سلوك الذرات داخل المادة قبل تصنيعها فعليًا.

وتستخدم هذه النماذج قوانين فيزياء الكم والحوسبة عالية الأداء للتنبؤ بخصائص المواد على المستوى الذري، بما في ذلك استقرار السبيكة، وكيفية تشكل بنيتها، وقوة ارتباط الهيدروجين بها.

وبذلك يمكن تضييق نطاق التركيبات الواعدة قبل الانتقال إلى التجارب المعملية، ما يساعد على خفض التكلفة وتسريع اكتشاف المواد الجديدة.

الهيدروجين

ثروة معدنية تمنح أفريقيا ميزة تنافسية

تمتلك أفريقيا العديد من العناصر التي يمكن استخدامها في تصنيع السبائك عالية الإنتروبيا، ومنها التيتانيوم والفاناديوم والكروم والمنجنيز، وهي معادن يتم استخراجها بالفعل في مناطق مختلفة من القارة.

لكن امتلاك الموارد الطبيعية لا يعني تلقائيًا امتلاك القدرة على تصنيع المواد المتقدمة.

وتواجه دول أفريقيا جنوب الصحراء تحديات تتعلق بتمويل المشروعات، والخبرات الفنية، والبنية التحتية، وأنظمة الطاقة، وشبكات النقل، وقدرات المعالجة والتكرير.

ويرى الباحثون أن الفرصة الحقيقية تتمثل في بناء منظومة قادرة على تحويل هذه الموارد من خامات تصدر إلى الخارج إلى سبائك ومواد متقدمة تُصنع داخل القارة.

الهيدروجين

من «الحفر والتصدير» إلى تصنيع الطاقة النظيفة

يمكن لتطوير السبائك عالية الإنتروبيا أن يفتح أمام أفريقيا مسارًا مختلفًا في اقتصاد الطاقة النظيفة، بحيث لا تقتصر الاستفادة على استخراج المعادن اللازمة للتكنولوجيا، بل تمتد إلى تصنيع المواد التي تقوم عليها هذه التكنولوجيا.

ويتطلب ذلك الاستثمار في البنية التحتية البحثية، وتوفير إمكانات الحوسبة عالية الأداء، وتطوير برامج تعليمية متخصصة، وتعزيز التعاون بين الجامعات والحكومات والقطاع الخاص.

وإذا نجحت هذه المنظومة، فقد تتحول الثروة المعدنية الأفريقية من مجرد مصدر للخامات إلى قاعدة لصناعة مواد متقدمة لتخزين الهيدروجين وتقنيات الطاقة النظيفة.

وبذلك، يمكن للقارة أن تنتقل تدريجيًا من دور مورد للمعادن الخام إلى لاعب في تصميم وتصنيع المواد التي ستدعم اقتصاد الطاقة منخفض الكربون مستقبلًا.

Exit mobile version