قد يحتوي الهواء داخل الأماكن المغلقة على مواد كيميائية أكثر بكثير مما يتخيله معظم الناس، إذ تميل المواد المنبعثة من المنتجات والأسطح اليومية إلى البقاء داخل الغرف بدلًا من الانتشار سريعًا في الهواء الخارجي.
ومع بطء حركة الهواء في الأماكن المغلقة، يمكن أن تتراكم هذه المواد على مدى ساعات، بينما يستقر جزء منها في الغبار، وتتكون أغشية كيميائية رقيقة على الأسطح، وتستمر أبخرة المنظفات والبخاخات ومستحضرات التجميل في إضافة ملوثات جديدة إلى البيئة الداخلية.
وتثير هذه الظاهرة اهتمامًا متزايدًا لدى العلماء، لأن الإنسان يتنفس هذه المواد ويلامسها بصورة يومية داخل أماكن يُفترض عادة أنها مريحة وآمنة، مثل المنازل والمدارس والمكاتب.
مصادر كيميائية مخفية داخل الأماكن المغلقة
تنبعث مواد كيميائية من عدد كبير من المنتجات المستخدمة بصورة يومية.
فالشامبو ومستحضرات ترطيب البشرة ومنتجات العناية بالأظافر يمكن أن تطلق مركبات قد تؤثر في النظام الهرموني، بينما يمكن للأغراض البلاستيكية أن تطلق جزيئات بلاستيكية دقيقة خلال الاستخدام العادي.
كما تطلق السجاد والدهانات وطلاءات الأثاث مركبات يمكن أن تبقى داخل الغرف لفترات طويلة.
ويضيف الطهي مصدرًا آخر للتلوث الداخلي، إذ يمكن أن يؤدي إلى تكوين النيتروزامينات، وهي مركبات كيميائية تساهم في تلوث الهواء داخل الأماكن المغلقة.
وفي دور رعاية الأطفال، يمكن لفرش الأرضيات والألعاب أن تطلق تدريجيًا مواد مثبطة للهب، بينما تطلق أجهزة الكمبيوتر والكابلات وغيرها من المعدات المكتبية مواد ملدنة للبلاستيك مع ارتفاع درجة حرارتها أثناء التشغيل.
وتزداد المشكلة في المباني الحديثة شديدة الإحكام، إذ صُممت لتقليل تسرب الهواء، وهو ما قد يساعد على احتجاز هذه المواد داخل المبنى لفترات أطول والسماح بتراكمها.
ونُشرت الدراسة في دورية New Contaminants، وقال وي دو، الباحث المشارك في الدراسة من جامعة كونمينغ للعلوم والتكنولوجيا، إن تلوث الهواء داخل بعض المباني قد يكون أشد من المستويات المقاسة في الخارج، وهو أمر يثير القلق خصوصًا بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن الذين يقضون وقتًا طويلًا داخل هذه البيئات.
وأضاف أن الروتين اليومي يجعل الإنسان على اتصال مستمر ببقايا كيميائية موجودة في الهواء والغبار وعلى الأسطح، حتى عندما تكون هذه المواد غير مرئية أو غير قابلة للرصد بالرائحة.
كيف تدخل هذه المواد الكيميائية إلى الجسم؟
يمكن للمواد الكيميائية الموجودة في البيئة الداخلية أن تدخل الجسم بعدة طرق، أبرزها الاستنشاق، وملامسة الجلد، وابتلاع الغبار.
فبعض مكونات واقيات الشمس ومنتجات العناية بالأظافر يمكن أن تعبر الجلد، بينما يمكن لجزيئات البلاستيك الدقيقة أن تصل إلى أنسجة مختلفة في الجسم.
كما رُصدت مواد مثل الفثالات (Phthalates) والفوسفات العضوي المثبط للهب (OPEs) في البول.
ويتعرض الرضع بصورة خاصة للمواد الموجودة على الأرضيات، بسبب احتكاكهم المباشر بالأسطح ووضع أيديهم في أفواههم، بينما قد يستنشق العاملون في المطابخ كميات أكبر من الأبخرة والملوثات الناتجة عن الطهي.
وفي المكاتب، يقضي الموظفون ساعات بالقرب من أجهزة ومعدات يمكن أن تطلق مواد مثبطة للهب ومواد كيميائية أخرى.
وبذلك تختلف مجموعة المواد التي يتعرض لها الأشخاص باختلاف نوع المكان الذي يقضون فيه وقتهم، وكذلك وفقًا لعاداتهم اليومية والمنتجات المستخدمة في تلك البيئات.
المواد الكيميائية قد تتحول إلى مركبات جديدة
لا تظل المواد الكيميائية داخل الأماكن المغلقة بالضرورة في صورتها الأصلية بعد إطلاقها.
فالإضاءة، والأوزون الناتج عن بعض الأجهزة، والأغشية الرقيقة التي تتكون على الأسطح والغبار، يمكن أن تعمل كمواقع تحدث فيها تفاعلات كيميائية.
وقد تتحول بعض المواد إلى مركبات جديدة تختلف خصائصها عن المواد الأصلية، وفي بعض الحالات قد تكون نواتج التحلل أكثر ضررًا.
فعلى سبيل المثال، يمكن لبعض مثبطات اللهب أن تتحلل وتتحول إلى مركبات ذات تأثيرات ضارة أقوى من المادة الأصلية.
كما يمكن لمكونات العطور الموجودة في المنظفات ومستحضرات التجميل أن تتحول إلى مركبات أخرى أكثر قدرة على تهييج العينين أو الجلد أو الجهاز التنفسي.
وينطبق الأمر أيضًا على المواد الملَدِّنة المنبعثة من أرضيات الفينيل؛ إذ يمكن أن تتفاعل هذه المواد مرة أخرى بعد استقرارها داخل الغبار.
وبمرور الوقت، يصبح الغبار نفسه بيئة يمكن أن تستمر فيها سلسلة من التفاعلات الكيميائية بصورة غير ملحوظة.
الغرف الصغيرة توفر أسطحًا أكثر للتفاعلات
تزداد أهمية هذه الظاهرة في المساحات الصغيرة والمغلقة، لأن الملوثات يمكن أن تترسب على عدد أكبر من الأسطح بالنسبة إلى حجم الهواء الموجود في المكان.
ويوفر كل سطح جديد موقعًا محتملًا لتفاعلات كيميائية إضافية.
وبذلك يمكن أن تحدث التحولات الكيميائية للملوثات داخل الأماكن المغلقة بوتيرة أكبر مما قد يتوقعه كثير من الناس.
كما أن بعض المركبات الجديدة الناتجة عن هذه التفاعلات قد تبقى داخل الغرفة لفترات أطول، أو ترتبط بالغبار بقوة أكبر، ما يزيد احتمالات تعرض الأشخاص لها خلال فترات الإقامة الطويلة في المكان.
مخاطر محتملة على الهرمونات والنمو والصحة
يربط الباحثون عددًا من المواد الكيميائية الموجودة في البيئات الداخلية باضطرابات هرمونية ومشكلات في النمو والتطور والخصوبة، إضافة إلى احتمالات مرتبطة ببعض أنواع السرطان.
كما ارتبط التعرض لبعض مركبات الفثالات أثناء الحمل بانخفاض درجات التعلم في مرحلة الطفولة المبكرة.
وفي الوقت نفسه، رُصدت جزيئات بلاستيكية دقيقة ومواد صناعية مضافة في الدم والأظافر وحليب الأم والأنسجة الدهنية.
ويمكن لبعض المواد الكيميائية عبور حاجز المشيمة أثناء الحمل، بينما قد تؤثر مواد أخرى في عملية الأيض لدى الأم، بما قد يرتبط بتأثيرات صحية طويلة الأمد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الرضع وكبار السن، لأنهم قد يقضون فترات أطول داخل الأماكن المغلقة، وبالتالي يمكن أن يكون تعرضهم المستمر للملوثات الداخلية أعلى.
وقال بو بان، الباحث المشارك في الدراسة، إن حماية صحة الإنسان تتطلب بصورة متزايدة النظر إلى الأماكن التي نعيش ونتعلم ونعمل فيها، والتعامل مع البيئات الداخلية باعتبارها مجالًا مهمًا للسيطرة على التلوث.
الحاجة إلى مراقبة أفضل للهواء الداخلي
يدعو الباحثون إلى إجراء اختبارات ومراقبة منتظمة للملوثات داخل المنازل والمدارس والمكاتب والمستشفيات ومراكز الترفيه، من أجل تكوين صورة أكثر وضوحًا عن حجم التلوث الكيميائي في الأماكن المغلقة.
ويمكن لعمليات أخذ العينات الدقيقة أن تساعد في تحديد كيفية انتقال المواد الكيميائية داخل الغرف، وكيف تتغير بعد إطلاقها في الهواء أو استقرارها على الأسطح والغبار.
كما يمكن للأبحاث التي تدرس هذه التفاعلات أن تساعد في تصميم منتجات أكثر أمانًا، بينما يمكن لعلوم السُّمّية أن توفر أساسًا لتطوير قواعد ومعايير جديدة للسلامة داخل المباني.
ولا تبدأ حماية حقيقية من التلوث الداخلي بمجرد التخلص من مادة واحدة، وإنما بفهم مصادر المواد الكيميائية المختلفة، وكيفية انتقالها، والمدة التي تبقى خلالها في البيئة الداخلية، وما إذا كانت تتحول إلى مركبات جديدة أكثر خطورة.
فالبيئة الداخلية تؤثر في صحة الإنسان يوميًا، وتحسينها يتطلب مزيجًا من تصميم مبانٍ أكثر كفاءة، ومواد أكثر أمانًا، وتهوية مناسبة، ومراقبة أفضل، واستمرار البحث العلمي.
