الهرم الرابع يفتح أبوابه.. المتحف المصري الكبير يروي فصول المجد الفرعوني في ثوب عصري
المتحف المصري الكبير.. هدية مصر للعالم وسجل حي لـ7 آلاف عام من التاريخ
كتب شعبان هدية- تصوير: محمد عبد الظاهر ونورهان الفايد
يُعدّ افتتاح المتحف المصري الكبير في القاهرة أحد أبرز الأحداث الثقافية في القرن الحادي والعشرين، نظراً للمجموعة الفريدة التي يضمها من آثار الحضارة المصرية القديمة، وفي مقدمتها مقتنيات الملك توت عنخ آمون، التي تُعرض كاملة لأول مرة.
جرى الإعداد للافتتاح على مدار سنوات طويلة من العمل المكثف، ليكون الحدث بمثابة إعادة تثبيت لمكانة مصر على الخريطة السياحية العالمية. وخلال الليالي الأخيرة، أُضيئت الواجهة الضخمة للمتحف الذي يقع على منحدر مطل على أهرامات الجيزة، في مشهد مهيب ينتظر اكتماله بحفل الافتتاح الرسمي.
استغرق بناء المتحف أكثر من 20 عامًا، وبلغت تكلفته أكثر من مليار دولار، ممتدًا على مساحة تقترب من نصف مليون متر مربع. ويضم نحو 100 ألف قطعة أثرية تمثل مختلف مراحل الحضارة المصرية القديمة.

من أبرز مقتنيات المتحف المجموعة الكاملة للفرعون الذهبي توت عنخ آمون، التي اكتُشفت عام 1922 في وادي الملوك بالأقصر، ويبلغ عددها أكثر من 5 آلاف قطعة، تُعرض جميعها للمرة الأولى في قاعتين مخصصتين تبلغ مساحتهما 7 آلاف متر مربع.
رمسيس الثاني.. رحلة الملك الخالد من منف إلى قلب المتحف المصري الكبير
عند مدخل المتحف المصري الكبير، وتحت سقف يمتد بارتفاع شاهق، يستقبل تمثال الملك رمسيس الثاني الزوّار في مشهد مهيب يختزل أكثر من ثلاثة آلاف عام من التاريخ.
يقف الملك العظيم شامخًا في بهو المدخل الرئيسي، حيث تلتقي العظمة الملكية بالحضارة الخالدة، ويبدأ معه الزائر أولى خطواته في رحلة عبر الزمان نحو مجد الفراعنة.

يستقبل الزوّار تمثال الملك رمسيس الثاني الذي يتجاوز ارتفاعه 11 مترًا ووزنه 83 طنًا، في بهو الاستقبال الممتد على مساحة 7 آلاف متر. يرتدي الملك تاجًا فريدًا تعلوه رموز العدالة والقوة والشمس، فيما تحيط به تماثيل ضخمة لملوك مصر القديمة في مشهد يليق بعظمة الحضارة.
من البهو يبدأ الدرج العظيم الممتد على طول 64 مترًا وارتفاع 24 مترًا، تصطف على جانبيه 70 قطعة أثرية عملاقة تمثل مراحل متتابعة من تاريخ مصر، وصولًا إلى الواجهة الزجاجية التي تطل مباشرة على الأهرامات.
المسلة المعلقة.. الأولى من نوعها في العالم
في الساحة الخارجية، تقف المسلة المعلقة الخاصة بالملك رمسيس الثاني فوق قواعد جرانيتية ضخمة، لتكون أول مسلة في العالم تُعرض بهذه الطريقة الهندسية المبتكرة، بعد ترميمها من ست قطع كانت متناثرة في موقع صان الحجر الأثري.

كنوز الملك الذهبي
ويُعد الكنز الأكبر للمتحف المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، والتي تُعرض كاملة لأول مرة منذ اكتشاف المقبرة عام 1922. تضم القاعة الخاصة أكثر من 5389 قطعة أثرية، بينها القناع الذهبي الشهير، والتابوت المصنوع من الذهب الخالص، والعجلات الحربية الست، وكرسي العرش الملكي.
ومن أبرز مقتنيات المجموعة أيضًا الصندوق رقم 317 الذي عُثر بداخله على مومياوات ابنتي الملك، وتم نقله بعد دراسات علمية دقيقة إلى المتحف الكبير.

مراكب الشمس ومقتنيات خوفو
في جناح خاص يمتد على 4000 متر مربع، تُعرض مراكب الملك خوفو، وأقدم قطعة خشبية أثرية في العالم بطول 43.5 متر، صُنعت من خشب الأرز منذ نحو 4600 عام. وقد نُقلت إلى المتحف عام 2021 في واحدة من أعقد عمليات النقل الأثري في التاريخ.

رحلة في قلب الحضارة
يضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تمثل 30 أسرة فرعونية، تغطي أكثر من 50 قرنًا من التاريخ المصري، بدءًا من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصرين اليوناني والروماني.
وتُعرض القطع وفق فلسفة موضوعية تروي قصة المصري القديم مع الآلهة والخلود والحياة بعد الموت.

تجربة تفاعلية وتكنولوجيا متقدمة
يعتمد المتحف على أنظمة عرض رقمية حديثة وتقنيات الواقع المعزز، تسمح بإعادة بناء المشاهد التاريخية وتوضيح تفاصيل الطقوس والمعارك والبناء، في تجربة بصرية فريدة. كما جُهّز بنظام ذكي للتحكم في الإضاءة والرطوبة لضمان حفظ القطع الأثرية.

مدينة ثقافية متكاملة
لا يقتصر المتحف على كونه صرحًا أثريًا فحسب، بل يمثل مدينة ثقافية متكاملة تضم مركزًا عالميًا لترميم الآثار، ومتحفًا للأطفال، وقاعات عرض مؤقتة، وسينما، ومركز مؤتمرات، ومكتبة علمية، ومناطق خدمية تضم مطاعم ومقاهي ومتاجر للهدايا.
ويمتد أمام المتحف الممشى الذهبي بطول كيلومترين ليربطه بمنطقة الأهرامات، وتنتشر على جانبيه المقاهي والاستراحات ونقاط المشاهدة البانورامية التي تطل على الأهرامات والمتحف.

الاستدامة والتميز العالمي
حصل المتحف المصري الكبير على 8 شهادات أيزو في مجالات الجودة والطاقة والصحة والسلامة والبيئة، كما نال الجائزة الذهبية للبناء الأخضر تقديرًا لتصميمه الصديق للبيئة.
بهذا الافتتاح، تقدم مصر للعالم تحفة معمارية وثقافية تجسد عبقرية الإنسان المصري القديم، وتربط بين التاريخ العريق والرؤية العصرية، لتظل الحضارة المصرية مصدر إلهامٍ للعالم بأسره.
تمثال رمسيس الثاني ايقونة المتحف المصري الكبير
رحلة القرن العشرين إلى قلب القاهرة
في عام 1955، اتُّخذ قرار جريء بنقل التمثال من موضعه الأثري في ميت رهينة إلى ميدان باب الحديد (الذي سُمّي لاحقًا بميدان رمسيس) وسط القاهرة، في عملية هندسية معقدة كانت الأولى من نوعها في تاريخ مصر الحديث.

تحوّل التمثال آنذاك إلى رمز حضاري للعاصمة، وأصبح ملتقى للأهالي والمسافرين، وواحدًا من أشهر معالم القاهرة الحديثة. إلا أن البيئة العمرانية والتلوث والاهتزازات الناتجة عن حركة القطارات والمركبات بدأت تؤثر سلبًا على حالته مع مرور السنين.

رحلة جديدة إلى الخلود
في عام 2006، قررت الدولة المصرية نقل التمثال مرة أخرى، لكن هذه المرة إلى مكان يليق بعظمته، ليكون واجهة المتحف المصري الكبير عند سفح الأهرامات.
نفذت العملية في مشهد مهيب تابعه ملايين المصريين والعالم بأسره، إذ تحرك التمثال لمسافة تزيد على 30 كيلومترًا عبر شوارع القاهرة في موكب هندسي استغرق أكثر من عشر ساعات، وسط احتفاء رسمي وشعبي غير مسبوق.
وخضع التمثال بعد وصوله إلى عمليات ترميم دقيقة استمرت عدة سنوات، بإشراف خبراء الآثار المصريين، ليُعاد إليه بريقه الأصلي وتُثبت أجزاؤه التي تأثرت عبر الزمن.

المتحف المصري الكبير
المتحف المصري الكبير









