تهديدات تسرق النوم في الحياة الحديثة.. من ارتفاع الحرارة إلى ضغوط العمل

تغير المناخ والضوضاء والعمل الليلي.. لماذا أصبح النوم الجيد أكثر صعوبة؟

لم يعد الحصول على نوم جيد ليلًا مرتبطًا بالعادات الشخصية وحدها، مثل الالتزام بموعد ثابت للنوم أو إبعاد الهاتف عن السرير، بل أصبح يتأثر بمجموعة من العوامل البيئية والاجتماعية والمهنية التي يصعب على الأفراد التحكم فيها، من ارتفاع درجات الحرارة والضوضاء إلى ضغوط العمل والتطبيقات الرقمية والمعلومات الصحية المضللة.

وتحذر مراجعة علمية أعدها باحثون أوروبيون من أن هذه العوامل تتداخل لتشكل ضغوطًا متزايدة على صحة النوم، داعية إلى التعامل مع المشكلة باعتبارها مسؤولية مشتركة تشمل الحكومات وأصحاب العمل والخدمات الصحية ومخططي المدن، وليس الأفراد وحدهم.

وحدد فريق البحث خمسة تهديدات رئيسية للنوم في أوروبا، تشمل الظروف البيئية، وعدم المساواة في فرص الحصول على بيئة مناسبة للراحة، وصعوبات تشخيص اضطرابات النوم وعلاجها، والمخاطر المرتبطة بأدوات تتبع النوم والمعلومات الرقمية، فضلًا عن جداول العمل والدراسة التي تتعارض مع الاحتياجات البيولوجية للجسم.

وقادت الدراسة فران بيلكينجتون تشيني، الباحثة في النوم بجامعة نوتنجهام ترنت البريطانية، وأدريانا ميشالاك من جامعة مودينا وريجيو إميليا الإيطالية، بمشاركة فريق يضم 13 باحثًا.

ولم تجمع الدراسة بيانات جديدة، بل اعتمدت على مراجعة أبحاث منشورة ومناقشات الفريق لتحديد أبرز التحديات.

ونُشرت النتائج في مجلة Journal of Sleep Research.

1. ارتفاع الحرارة والضوضاء يقطعان النوم

أصبح النوم الجيد أكثر صعوبة

يمثل تغير المناخ أحد التهديدات المتزايدة لصحة النوم، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة ليلًا.

وتُعد أوروبا أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، كما ترتفع حرارة لياليها بوتيرة أسرع من النهار، وفق ما أورده الباحثون.

ويعتمد الاستغراق في النوم جزئيًا على انخفاض درجة حرارة الجسم الداخلية، وهي عملية تساعد عليها توسعة الأوعية الدموية القريبة من سطح الجلد للتخلص من الحرارة.

وعندما ترتفع حرارة البيئة المحيطة، تصبح عملية تبريد الجسم أكثر صعوبة.

وتربط أبحاث سابقة بين الليالي الأكثر دفئًا وتأخر الاستغراق في النوم، وزيادة الاستيقاظ خلال الليل، وانخفاض إجمالي مدة النوم.

وتزداد المشكلة في المنازل التي تحتفظ بالحرارة بعد غروب الشمس، خاصة عندما لا تتوافر وسائل التبريد المناسبة.

ولا تقتصر التأثيرات البيئية على الحرارة؛ فالضوضاء الناتجة عن حركة المرور والسكك الحديدية وغيرها من مصادر الإزعاج قد تؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر والانتقال إلى مراحل نوم أخف.

وحتى الأشخاص الذين اعتادوا العيش بالقرب من الطرق المزدحمة لا يتكيفون بالضرورة مع الضوضاء بصورة تمنع تأثيرها في النوم.

كما يثير التعرض للضوء الاصطناعي ليلًا مخاوف إضافية، رغم أن تحديد تأثير مستويات التعرض اليومية المعتادة لا يزال مجالًا للبحث.

2. تفاوت فرص الحصول على نوم صحي

لا تتوافر للجميع الظروف نفسها للنوم الجيد، فقد يمتلك شخص غرفة هادئة ومظلمة وباردة، بينما يضطر آخر إلى النوم في بيئة مزدحمة أو حارة أو مضاءة ليلًا، دون قدرة كافية على تغيير هذه الظروف.

وتبرز أوجه عدم المساواة بصورة خاصة لدى الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف تبريد المنازل خلال الليالي شديدة الحرارة، وكذلك الأشخاص الذين نزحوا بسبب الحروب أو تغير المناخ، وقد تستمر مشكلات النوم لديهم لسنوات.

ويرى الباحثون أن هذه الضغوط تقع بدرجة أكبر على الفئات الأقل امتلاكًا للموارد والخيارات، ما يجعل النوم الصحي قضية ترتبط بالظروف المعيشية والتخطيط العمراني والحماية الاجتماعية، إلى جانب السلوك الفردي.

ومن هذا المنطلق، فإن تحسين فرص النوم لا يقتصر على تقديم نصائح بشأن الروتين الليلي، بل يشمل أيضًا توفير مساكن ملائمة حراريًا، والحد من الضوضاء، وتحسين ظروف المعيشة للفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

أصبح النوم الجيد أكثر صعوبة

3. صعوبة الوصول إلى علاج اضطرابات النوم

تمثل اضطرابات النوم، ومنها الأرق، تحديًا صحيًا آخر، بسبب تأخر طلب المساعدة وصعوبة الوصول إلى المتخصصين في بعض المناطق.

وبحسب المراجعة، سجلت أوروبا أعلى معدل لمشكلات النوم لدى البالغين مقارنة بالمناطق الأخرى في تحليل حديث جمع نتائج دراسات متعددة بعد جائحة كوفيد-19.

وقد يحاول الأشخاص الذين يعانون الأرق التعامل مع المشكلة لفترات طويلة بمفردهم، ويلجأ بعضهم إلى الكحول أو الأدوية دون إشراف مناسب، قبل طلب الرعاية المتخصصة عندما تتفاقم الأعراض.

وتختلف فرص الحصول على العلاج باختلاف مكان الإقامة؛ إذ لا يوجد مسار موحد وواضح لتشخيص اضطرابات النوم وعلاجها في جميع أنحاء أوروبا، كما تتركز مختبرات دراسة النوم الليلية في مراكز متخصصة بالمدن الكبرى، ما قد يفرض على سكان المناطق الريفية رحلات طويلة أو الاعتماد على وسائل فحص منزلية محدودة.

وتوصي الإرشادات السريرية الأوروبية باستخدام علاج منظم ومخصص للأرق بوصفه الخيار الأول، لكن نقص المعالجين المدربين وطول قوائم الانتظار يحدان من الوصول إليه.

ويدعو الباحثون إلى وضع أهداف واضحة للحد الأقصى لفترات الانتظار، وتحديد المناطق التي تعاني نقصًا في خدمات تشخيص اضطرابات النوم وعلاجها.

4. أجهزة تتبع النوم والمعلومات المضللة

أتاحت الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء متابعة النوم في المنزل على مدى ليالٍ متتالية، لكنها لا تقدم بالضرورة قياسات دقيقة بالقدر نفسه في جميع الحالات.

ويشير الباحثون إلى أن كثيرًا من الأدوات الرقمية المخصصة لمراقبة النوم لم يخضع لاختبارات صارمة تقارن نتائجها بقياسات مختبرات النوم، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات فعلية.

وقد تؤدي النتائج الرقمية نفسها إلى مشكلة إضافية؛ إذ ينشغل بعض المستخدمين بالحصول على تقييم مثالي للنوم، ويشعرون بالقلق عندما لا تحقق أجهزتهم الأرقام التي يتوقعونها. وتُعرف هذه الظاهرة باسم «الأرق المرتبط بالسعي إلى تحسين النوم» (Orthosomnia)، حيث يتحول الحرص على النوم المثالي إلى مصدر للتوتر قد يفاقم المشكلة بدلًا من حلها.

ويقترح الباحثون تطوير عيادات رقمية للنوم تتيح للمتخصصين متابعة المرضى عن بُعد باستخدام أجهزة جرى التحقق من دقتها، مع بقاء التشخيص النهائي مسؤولية المختصين الصحيين.

وفي الوقت نفسه، تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي نصائح تحت شعار «تحسين النوم إلى أقصى حد» (Sleepmaxxing)، تتضمن إجراءات مثل لصق الفم أثناء النوم، واستخدام البطانيات الثقيلة، وتناول الميلاتونين أو أطعمة معينة، رغم تفاوت الأدلة العلمية الداعمة لهذه الممارسات.

وتوصي الإرشادات السريرية باستخدام الميلاتونين في حالات محددة، مثل اضطراب الرحلات الجوية الطويلة وبعض اضطرابات الساعة البيولوجية، لكنها لا توصي به علاجًا للأرق بصورة عامة.

كما أن الأدلة على فاعلية البطانيات الثقيلة في تحسين النوم لدى البالغين الأصحاء ليست متسقة.

وتحذر المراجعة كذلك من استمرار خرافات شائعة، مثل الاعتقاد بأن الكحول يساعد على النوم الجيد، أو أن حاجة الإنسان إلى النوم تنخفض بالضرورة مع التقدم في العمر.

وقد ربطت إحدى الدراسات التي استشهد بها الباحثون بين تصديق مزيد من هذه المعتقدات واتباع جداول نوم أقل انتظامًا والنوم لفترات أقصر في أيام العطلات.

قلة النوم

5. ضغوط العمل والورديات الليلية واستخدام الشاشات

تؤثر جداول العمل في قدرة الأشخاص على الحصول على نوم منتظم، خاصة عندما تمتد متطلبات الوظيفة إلى ساعات الراحة.

وتشير البيانات التي استعرضتها المراجعة إلى أن نحو واحد من كل خمسة عاملين في أوروبا يؤدي بعض مهام العمل خلال أوقات فراغه عدة مرات شهريًا، فيما ارتبط تكرار رسائل العمل خارج ساعات الدوام بنوم أسوأ في دراسات سابقة.

ويواجه العاملون بنظام الورديات تحديًا أكبر؛ إذ يعمل نحو 21% من القوى العاملة الأوروبية وفق هذه الأنظمة، التي قد تتطلب البقاء مستيقظين ليلًا، بما يتعارض مع الإيقاع البيولوجي الطبيعي للجسم.

كما يواجه العاملون في الاقتصاد القائم على المهام والمنصات الرقمية جداول غير مستقرة وسيطرة محدودة على ساعات عملهم، بينما لا يزال تأثير هذه الظروف في النوم أقل دراسة مقارنة ببعض الفئات الأخرى.

أما المراهقون، فقد يؤدي التصفح المتأخر للأجهزة أو ممارسة الألعاب الإلكترونية إلى تأخير موعد النوم، في حين تظل مواعيد بدء الدراسة المبكرة ثابتة.

ورغم الاهتمام الكبير بتأثير الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، تشير أبحاث أحدث إلى أن أثره قد يكون أقل مما كان يُعتقد سابقًا، ما يستدعي النظر أيضًا إلى توقيت الاستخدام وتأثيره في السلوك ومواعيد النوم.

ويقترح الباحثون فرض قيود على إشعارات العمل خارج ساعات الدوام، والحد من تتابع الورديات الليلية، وإعادة النظر في مواعيد بدء الدراسة.

وتهدف هذه المقترحات إلى معالجة ظروف لا يستطيع الأفراد تغييرها بمفردهم بسهولة.

توصيات مهمة.. لكن فاعليتها تحتاج إلى الاختبار

تقدم الدراسة خريطة للتحديات التي تواجه النوم، لكنها لا تختبر حلولًا محددة بصورة تجريبية.

فقد استند تحديد التهديدات الخمسة إلى نقاشات الفريق ومراجعة دراسات منشورة لم تتبع منهج المراجعة المنهجية، وهو ما يحد من إمكانية اعتبار النتائج تقييمًا شاملًا ونهائيًا لكل الأدلة المتاحة.

كما أن بعض الدراسات التي استند إليها الباحثون رصدت ارتباطات بين عوامل مثل الضوء أو ضغط العمل ومشكلات النوم، دون أن تثبت بالضرورة أن أحدهما تسبب مباشرة في الآخر.

وتحتاج مقترحات مثل تحسين تبريد المنازل، والحد من الرسائل المهنية الليلية، وتوسيع خدمات علاج الأرق، إلى دراسات تقيس مدى فاعليتها الفعلية في تحسين النوم.

ومع ذلك، تؤكد المراجعة أن التعامل مع اضطرابات النوم يتطلب تجاوز النصائح الفردية وحدها، والعمل على تحسين الظروف البيئية والمهنية والصحية التي تحدد قدرة الإنسان على الراحة.

فالنوم الجيد ليس مجرد نتيجة لعادات شخصية منضبطة، بل يتأثر أيضًا بدرجة حرارة المنزل، وهدوء البيئة المحيطة، وتنظيم ساعات العمل، وجودة الرعاية الصحية، ومدى موثوقية المعلومات التي يتلقاها الناس عن النوم.

↑
Exit mobile version