خطت فنلندا خطوة مهمة نحو إيجاد حل طويل الأمد للوقود النووي المستهلك، بعدما منحت حكومتها ترخيص تشغيل مستودع «أونكالو» الجيولوجي، الذي يُتوقع أن يصبح أول منشأة في العالم تبدأ تشغيلًا فعليًا للتخزين النهائي للوقود النووي المستهلك في أعماق الأرض.
وأعلنت شركة «بوسيفا» (Posiva)، المسؤولة عن إدارة المنشأة، صدور الترخيص يوم الخميس 22 أكتوبر، بعد نحو 22 عامًا من بدء أعمال الإنشاء في الموقع.
ولم تحدد الشركة موعدًا نهائيًا لبدء استقبال الوقود، إذ لا تزال المنشأة بحاجة إلى استكمال الاختبارات والفحوص اللازمة قبل بدء التخزين، والحصول على موافقة هيئة الرقابة الفنلندية على الإشعاع والسلامة النووية.
ويقع المستودع في منطقة أورايُوكي جنوب غربي فنلندا، داخل تكوينات صخرية مستقرة يعود عمرها إلى نحو 1.9 مليار سنة.
وصُممت المنشأة لعزل الوقود النووي المستهلك عن البيئة المحيطة على مدى فترات زمنية طويلة، قد تمتد لعشرات آلاف السنين.
مستودع تحت الأرض يستوعب 6500 طن من اليورانيوم
يحمل المشروع اسم «أونكالو»، وهي كلمة فنلندية تعني «الكهف»، ومن المقرر أن يوفر سعة تخزينية تعادل 6500 طن من اليورانيوم الموجود في الوقود النووي المستهلك الناتج عن المفاعلات النووية الفنلندية الخمسة.
ويعتمد المشروع على مفهوم التخزين الجيولوجي العميق، الذي يقوم على وضع الوقود المشع داخل الصخور على أعماق كبيرة، واستخدام عدة حواجز هندسية وطبيعية للحد من احتمالات تسرب المواد المشعة إلى البيئة.
وتبدأ العملية بوضع الوقود المستهلك داخل حاويات نحاسية مصممة لمقاومة التآكل، ثم إنزالها في فتحات محفورة داخل أنفاق في الصخر، وبعد ذلك، تُملأ المساحات المحيطة بالحاويات بطين البنتونيت، قبل إغلاق الأنفاق بسدادات من الخرسانة المسلحة بالفولاذ.
وتعمل هذه الحواجز معًا؛ إذ توفر الحاويات النحاسية حاجزًا ماديًا حول الوقود، ويساعد طين البنتونيت على إحاطة الحاويات والحد من حركة المياه، بينما توفر الصخور المحيطة حاجزًا جيولوجيًا إضافيًا.
ويهدف التصميم إلى تقليل فرص انتقال المواد المشعة إلى البيئة خلال فترات زمنية طويلة جدًا.
لماذا يمثل التخزين النهائي تحديًا نوويًا؟
يظل الوقود النووي المستهلك مشعًا بدرجات خطرة لعشرات آلاف السنين، ما يجعل التعامل معه مختلفًا عن إدارة كثير من أنواع النفايات الصناعية.
فالمشكلة لا تقتصر على إيجاد مكان لتخزينه في الوقت الراهن، بل تمتد إلى ضمان احتوائه وعزله على مدى فترات زمنية تتجاوز بكثير عمر المنشآت والبنى التحتية المعتادة.
ومنذ بدء تشغيل محطات الطاقة النووية في خمسينيات القرن الماضي، واجهت الدول تحديًا يتعلق بكيفية التعامل مع نواتج الوقود النووي بعد استخدامه.
ولا يزال جزء كبير من هذا الوقود محفوظًا في منشآت تخزين مؤقتة، في انتظار حلول نهائية طويلة الأمد.
ووفقًا للمعلومات التي أوردتها شركة «بوسيفا»، يُتوقع أن تنخفض مستويات النشاط الإشعاعي للوقود المخزن بعد نحو 100 ألف سنة إلى مستويات تقارب تلك الموجودة في خام اليورانيوم الذي صُنع منه الوقود، ولا يعني ذلك أن الوقود يصبح آمنًا عند هذه النقطة، بل يشير إلى تغير مستوى نشاطه الإشعاعي بمرور الزمن.
الترخيص لا يعني بدء التخزين فورًا
يمثل منح الترخيص مرحلة رئيسية في مسار المشروع، لكنه لا يعني أن عمليات الدفن النهائي ستبدأ مباشرة. فقد أوضحت «بوسيفا» أن المنشأة ستخضع لمرحلة استكمال التشغيل التجريبي، بما يشمل الاختبارات والفحوص المطلوبة، على أن تتحقق هيئة الرقابة الفنلندية على الإشعاع والسلامة النووية من استيفاء المتطلبات والموافقة عليها قبل بدء التخزين النهائي.
ولم تعلن الشركة جدولًا زمنيًا تفصيليًا لبدء العمليات، لذلك يظل الموعد الفعلي للتشغيل مرتبطًا باستكمال هذه الإجراءات الرقابية والفنية.
نموذج تسعى دول أخرى إلى تطبيقه
تعمل دول أخرى على تطوير منشآت للتخزين الجيولوجي العميق للوقود النووي المستهلك، من بينها السويد وفرنسا، لكن فنلندا يُتوقع أن تكون الأولى التي تبدأ تشغيل منشأة من هذا النوع للتخزين النهائي.
وتبرز أهمية «أونكالو» في أنه ينتقل بمفهوم التخزين الجيولوجي من مرحلة التخطيط والإنشاء إلى مرحلة الترخيص التشغيلي، مع بقاء الاختبارات والموافقات النهائية شرطًا لبدء العمل.
ويعكس المشروع أحد المسارات التي تعتمد عليها الدول المستخدمة للطاقة النووية لإدارة النفايات المشعة على المدى الطويل، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الرقابة المستمرة والتحقق من أداء الحواجز الهندسية والجيولوجية، ولا يزيل المخاطر المرتبطة بالمواد المشعة بصورة فورية.
وبينما تواصل دول عدة البحث عن حلول آمنة ومستدامة للوقود النووي المستهلك، يضع المشروع الفنلندي التخزين العميق في قلب النقاش حول المسؤولية طويلة الأمد عن النفايات النووية، وكيفية عزلها عن الإنسان والبيئة عبر فترات زمنية تمتد إلى آلاف الأجيال.
