قدّمت دراسة علمية حديثة صادرة عن جامعة لوزان في سويسرا تفسيرًا جديدًا لطبيعة نشأة بركان إتنا في جزيرة صقلية، أحد أكثر البراكين نشاطًا في أوروبا، مشيرة إلى أنه قد لا ينتمي إلى أي من التصنيفات التقليدية المعروفة للبراكين، بل إلى نمط رابع غير مألوف.
ونُشرت الدراسة بالتعاون مع المعهد الوطني الإيطالي لعلوم البراكين، في مجلة علمية متخصصة في أبحاث الجيوفيزياء والأرض الصلبة، وركزت على إعادة تفسير مصدر الصهارة التي تغذي البركان وآلية صعودها إلى السطح.
بركان نشط وأصل غير مفهوم
يقع بركان إتنا في شرق جزيرة صقلية، ويُعد من أكثر البراكين نشاطًا على سطح الأرض، إذ يثور عدة مرات في العام، ويصل ارتفاعه إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، مع تاريخ جيولوجي يمتد لأكثر من نصف مليون سنة.
ورغم هذا النشاط المستمر والمراقبة العلمية الدقيقة، لا يزال أصل البركان وطريقة تشكله غير محسومين، إذ لا يطابق أي نموذج جيولوجي معروف بشكل كامل.
التصنيفات التقليدية للبراكين
توضح الدراسات أن البراكين تتشكل عادة عبر ثلاثة أنماط رئيسية:
- عند تباعد الصفائح التكتونية حيث تصعد المواد المنصهرة من باطن الأرض
- عند اصطدام الصفائح حيث تغوص إحداها تحت الأخرى
- في مناطق النقاط الساخنة حيث ترتفع أعمدة حرارية من أعماق الوشاح الأرضي
لكن بركان إتنا لا يتطابق بوضوح مع أي من هذه الأنماط، رغم أن مكوناته الكيميائية تشبه براكين النقاط الساخنة.
فرضية جديدة لمصدر الصهارة
تقترح الدراسة أن بركان إتنا يتغذى من كميات صغيرة من الصهارة الموجودة مسبقًا في الوشاح العلوي للأرض، على عمق يصل إلى نحو ثمانين كيلومترًا تحت السطح.
وتنتقل هذه الصهارة إلى الأعلى بشكل متقطع نتيجة الضغوط الناتجة عن تصادم الصفيحتين الإفريقية والأوراسية، حيث تُدفع عبر شقوق في القشرة الأرضية تتكون عند انثناء الصفائح قرب مناطق الاندساس.
آلية صعود تشبه عصر الإسفنجة
يشبه الباحثون طريقة صعود الصهارة بعملية عصر الإسفنجة، حيث تُدفع السوائل من داخلها عبر الفراغات الناتجة عن الضغط، لتصعد تدريجيًا عبر الشقوق الجيولوجية حتى تصل إلى السطح وتسبب النشاط البركاني.
نمط رابع من البراكين
تشير النتائج إلى احتمال أن ينتمي إتنا إلى نمط نادر من البراكين يُعرف باسم البراكين الدقيقة، وهي براكين صغيرة اكتُشفت لأول مرة في المحيطات، لكن الدراسة تقترح أن آلية مشابهة قد تفسر نشاط إتنا على نطاق أوسع بكثير.
ثبات كيميائي عبر مئات آلاف السنين
اعتمد الباحثون على تحليل عينات من الحمم البركانية عبر مراحل زمنية تمتد لأكثر من خمسمائة ألف سنة، ووجدوا أن تركيب الصهارة ظل شبه ثابت رغم تغير الظروف التكتونية المحيطة.
ويشير ذلك إلى وجود مصدر عميق ومستقر للصهارة في باطن الأرض يغذي البركان بشكل مستمر.
أهمية الاكتشاف
يفتح هذا التفسير الجديد الباب أمام إعادة النظر في كيفية تصنيف البراكين عالميًا، إذ يشير إلى أن بعض البراكين الكبيرة قد تتغذى بآليات تشبه تلك التي تغذي البراكين الصغيرة، ولكن على نطاق مختلف.
كما يساعد هذا الفهم في تحسين تقييم المخاطر البركانية وتوقع النشاط المستقبلي بدقة أكبر.
آفاق مستقبلية
يؤكد الباحثون أن هذه الفرضية تحتاج إلى المزيد من الدراسات والتجارب المخبرية التي تحاكي ظروف الضغط والحرارة في أعماق الأرض، إضافة إلى تحليل عينات إضافية من الصخور البركانية.
ويأمل العلماء أن يسهم هذا العمل في إعادة صياغة فهم نشأة البراكين على مستوى العالم، وفتح آفاق جديدة في علوم الأرض.
