تكشف دراسة علمية حديثة أن النباتات تمتلك آلية داخلية تمكّنها من إيقاف نموها مؤقتًا لمواجهة الظروف البيئية القاسية، في خطوة تُعيد تفسير تباطؤ النمو باعتباره استجابة نشطة للبقاء.
وحدد العلماء جزيئًا واحدًا يرتفع مستواه داخل خلايا النبات عند التعرض للإجهاد، حيث يعمل سريعًا على تعطيل مسار نمو أساسي لا يمكن للنبات الاستغناء عنه.
داخل خلايا الأوراق، يحدث هذا التباطؤ في مسار حيوي شديد الأهمية، لدرجة أن تعطيل أحد إنزيماته الرئيسية قد يكون قاتلًا. ومن خلال تتبع التغيرات في مركبات هذا المسار، تمكنت الباحثة Wilhelmina van de Ven من رصد مركب وسيط يرتفع بشكل ملحوظ مع بداية تباطؤ النمو.
ويؤثر هذا الارتفاع مباشرة على الإنزيمات الموجودة بالفعل داخل الخلية، ما يؤدي إلى إبطاء المسار الحيوي بسرعة، قبل أن تبدأ الاستجابات الجينية الأبطأ في العمل. وتُعد هذه اللحظات الأولى حاسمة في تحديد كيفية استجابة النبات لاحقًا.
عند التعرض لضوء شديد أو حرارة مفاجئة، تعتمد النباتات على آلية دفاع سريعة بدلًا من انتظار تغييرات في النشاط الجيني. إذ تفقد الإنزيمات نشاطها بسرعة نتيجة ارتفاع مستويات جزيئات الأكسجين التفاعلية داخل الخلايا.
وأوضحت Katie Dehesh أن هذا النوع من الاستجابة يجب أن يكون فوريًا، لأن انتظار تصنيع بروتينات جديدة سيستغرق وقتًا لا يملكه النبات تحت الضغط.
ونُشرت الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences.
ومن المؤشرات المبكرة على هذه الظاهرة، ملاحظة نباتات بقيت حية لكنها نمت بحجم أصغر من المعتاد، ما يدل على أن النظام الحيوي تباطأ دون أن يتوقف بالكامل.
وكشفت الدراسة أن أحد المركبات الوسيطة في المسار الحيوي يتراكم بكميات كبيرة، ما يؤدي إلى تعطيل خطوة مبكرة في المسار نفسه، وبالتالي إبطائه من الداخل.
وأظهرت تجارب إضافية أن هذا المركب يرتبط بالموقع الذي يرتبط فيه الإنزيم عادة بالمادة الأساسية، فيمنع هذه الخطوة ويقلل من تدفق التفاعلات في بقية المسار. ونظرًا لأن هذا التعطيل يحدث في بداية المسار، فإنه يؤدي سريعًا إلى نقص الإمدادات لبقية العمليات الحيوية.
ويؤدي هذا التباطؤ السريع دورًا وقائيًا، إذ يقلل من إنتاج الجزيئات المرتبطة بالنمو في وقت تكون فيه الخلايا معرضة لخطر التلف.
وبعد هذه المرحلة السريعة، تدخل النباتات في مرحلة ثانية تعيد خلالها توجيه مواردها الداخلية نحو التكيف مع الإجهاد المستمر بدلًا من بناء أنسجة جديدة.
وغالبًا ما تكون النتيجة نباتات أصغر حجمًا، ليس بسبب اختفاء جينات النمو، بل لأن الطاقة تُستخدم لدعم البقاء.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في توضيح مرحلتين أساسيتين: التباطؤ الفوري، ثم التكيف طويل الأمد، وهو ما يجب أخذه في الاعتبار عند محاولة تحسين إنتاجية المحاصيل.
وكانت محاولات سابقة لزيادة إنتاجية المحاصيل أو تحملها للجفاف تعتمد على تعزيز هذا المسار الحيوي، لكنها فشلت في كثير من الأحيان لأنها افترضت أنه يعمل باستمرار، بينما هو في الواقع يبطئ نفسه سريعًا تحت الضغط.
ويُظهر هذا البحث أن مركبًا واحدًا يمكنه إيقاف الإنتاج خلال دقائق، ما يغير من طريقة تدخل العلماء لتحسين المحاصيل. فبدلًا من دفع النباتات للنمو المستمر، قد يكون الحل في التحكم بتوقيت بدء التباطؤ وانتهائه.
وتشير النتائج إلى أن هذا المسار الحيوي لا يقتصر على النباتات فقط، بل يوجد أيضًا في البكتيريا والبلاستيدات الخضراء، ويسهم في إنتاج مركبات مرتبطة بالأصباغ والهرمونات والدفاع.
وهذا الانتشار الواسع يفسر لماذا يؤثر التلاعب بهذا المسار في عدة خصائص مثل النمو واللون وتحمل الإجهاد في آن واحد.
ويرى الباحثون أن الهدف المستقبلي يتمثل في مساعدة النباتات على التعافي بسرعة بعد زوال الإجهاد، بدلًا من إجبارها على النمو المستمر.
وفي النهاية، توضح الدراسة أن النباتات تنجو من الظروف القاسية عبر السماح لمركب داخلي بكبح النمو مؤقتًا قبل أن يحدث الضرر، ما يمنحها فرصة للبقاء.
وقد تفتح هذه المعرفة الباب أمام تطوير محاصيل أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، دون خسارة كبيرة في الإنتاج.
