عندما يتعلق الأمر بالاحتباس الحراري والغازات الدفيئة، يُعد الميثان أحد أخطر المسببات، إذ يحتل المرتبة الثانية بعد ثاني أكسيد الكربون في تأثيره على تغير المناخ، ورغم ذلك، ظل تحديد الكميات الفعلية المنبعثة منه محل تخمين لسنوات طويلة.
اليوم، تكشف أول خريطة عالمية لتسربات الميثان من المواقع الصناعية عن صورة دقيقة لمواضع تسرب هذا الغاز، وكمياته، وتكرار حدوثه.
يساهم الميثان بنحو 30% من الارتفاع في درجات الحرارة العالمية منذ الثورة الصناعية. ويعود جزء كبير من هذه الانبعاثات إلى أنشطة بشرية، تتسرب في كثير من الأحيان من نقاط صناعية محددة، مثل صمام معيب في منشأة غاز.
لكن حتى وقت قريب، لم تكن هناك بيانات دقيقة، إذ اعتمدت التقديرات على حجم إنتاج الدول من النفط والغاز، أو على أقمار صناعية لا ترصد سوى التسربات الضخمة، متجاهلة ملايين التسربات الصغيرة.
تكبير الصورة على مصادر التسرب
في دراسة نُشرت بدورية Science، أوضح باحثون كيف استخدموا كوكبة أقمار GHGSat، وهي مجموعة من الأقمار الصناعية الصغيرة عالية الدقة تعمل ككاميرا فائقة القدرة.
وخلال عام 2023، جمع الباحثون أكثر من 32 ألف صورة لأكثر من 3 آلاف منشأة نفط وغاز وفحم حول العالم.
وتميزت الصور بدقة عالية مكّنت من رصد مناطق بعرض يصل إلى 25 مترًا فقط، ما يسمح بتحديد مبانٍ أو أنابيب بعينها مسؤولة عن التسرب.
مناجم الفحم مصدرًا ثابتًا لتسربات الميثان
وأظهرت النتائج تباينًا واضحًا بين القطاعات المختلفة، فقد تبين أن مناجم الفحم تُعد مصدرًا ثابتًا لتسربات الميثان، حيث سُجلت انبعاثات في 48% من مرات الرصد.
في المقابل، اتسم قطاعا النفط والغاز بالتسرب المتقطع، إذ أطلقا سحبًا من الميثان في نحو 16% من عمليات الرصد.
وبشكل إجمالي، رصدت الأقمار الصناعية خلال عام واحد فقط تسرب نحو 8.3 مليون طن من غاز الميثان من هذه المواقع.
ورغم أن عمليات التفتيش الميدانية الدورية قد تكشف بعض التسربات، فإنها لا تستطيع رصدها جميعًا، نظرًا لأن اكتشافها يتطلب مراقبة مستمرة، ومن خلال تكرار التصوير على فترات زمنية قصيرة، تمكنت كوكبة GHGSat من رصد عدد أكبر بكثير من التسربات مقارنة بالزيارات غير المنتظمة.
وكتب الباحثون في الدراسة: «إن العدد الكبير من عمليات الرصد المتكررة عالية الدقة يتيح قياس التقطع الزمني لمصادر الانبعاثات النقطية، ويوفر تقديرًا عالميًا متسقًا لتقلبات الانبعاثات بمرور الوقت».
نهاية عصر التخمين
للتعامل بفعالية مع آثار تغير المناخ، لم يعد الاعتماد على التقديرات كافيًا. فالرصد المنتظم عبر الأقمار الصناعية يتيح للشركات والحكومات تحديد التسربات وإصلاحها بسرعة.
كما تتيح هذه البيانات عالية الدقة أداة قوية لمساءلة أكبر الجهات المسببة للتلوث وتحميلها مسؤولية انبعاثاتها.
