المناخ دخل مرحلة جديدة.. 36.5% زيادة في شدة النينيو.. لماذا يخشى العلماء نينيو أقوى في المستقبل؟

هل يجعل تغير المناخ ظاهرة النينيو أكثر قوة؟.. أدلة جديدة تثير القلق

أدلة من الشعاب المرجانية وسجلات المناخ تشير إلى تحول لافت في قوة ظاهرة النينيو، لكن العلماء لا يزالون يختلفون حول مدى ارتباطه بتغير المناخ ومستقبله

تتزايد الأدلة العلمية التي تشير إلى أن تغير المناخ قد يكون بصدد تغيير طبيعة ظاهرة النينيو، وربما جعل بعض أحداثها أكثر شدة، في وقت يقترب فيه المحيط الهادئ من حدث نينيو استثنائي خلال نهاية 2026.

وتأتي هذه المؤشرات بينما تشير أحدث توقعات المركز الوطني الأمريكي للتنبؤات البيئية والمناخية إلى أن ظاهرة النينيو ستواصل اشتدادها حتى نهاية العام، مع احتمال يبلغ 75% لحدوث نينيو تاريخي خلال أكتوبر وديسمبر 2026، يتجاوز قوة الأحداث السابقة المسجلة منذ عام 1950 وفق معيار محدد لشدة الظاهرة. كما تتجاوز احتمالات حدوث نينيو «شديد جدًا» 90% خلال خريف وشتاء 2026-2027.

لكن السؤال العلمي الأكثر أهمية لا يتعلق بالحدث الحالي وحده: هل يؤدي ارتفاع حرارة الأرض إلى جعل ظاهرة النينيو أقوى وأكثر تكرارًا في المستقبل؟

الإجابة لم تُحسم بعد.

الشعاب المرجانية تكشف ما حدث خلال ألف عام

الشعاب المرجانية تكشف ما حدث خلال ألف عام

تواجه دراسة تطور النينيو مشكلة رئيسية؛ فالسجلات الحديثة التي تعتمد على الأقمار الصناعية ومحطات الرصد لا تغطي سوى جزء صغير من التاريخ المناخي للأرض.

ولهذا لجأ العلماء إلى أدلة طبيعية محفوظة في الشعاب المرجانية وحلقات الأشجار والرواسب، بهدف إعادة بناء تاريخ الظاهرة قبل عصر القياسات الحديثة.

وفي دراسة حديثة نشرت في مجلة Science، استخدم فريق دولي عينات من الشعاب المرجانية في جزر غالاباغوس باعتبارها سجلًا طبيعيًا لدرجات حرارة سطح البحر، وامتدت البيانات إلى نحو ألف عام.

واعتمد الباحثون على نسب عناصر كيميائية ونظائر الأكسجين المحفوظة في هياكل المرجان، والتي يمكن أن تقدم مؤشرات على ظروف مياه البحر وقت تكوّن الشعاب.

وشملت العينات أحداث نينيو القوية للغاية في 1982-1983 و1997-1998، وهما من أقوى أحداث النينيو المسجلة في العصر الحديث.

لكن السجل لم يشمل حدثي 2015-2016 و2023-2024، لأن البيانات المرجانية المستخدمة امتدت حتى عام 2014.

زيادة 36.5% في شدة النينيو

توصلت الدراسة إلى أن تذبذب النينيو أصبح أقوى بنحو 36.5% خلال العقود الأربعة الأخيرة مقارنة بالفترة السابقة في السجل المرجاني.

وقالت جوليا كول، الباحثة الرئيسية في الدراسة والأستاذة بجامعة ميشيغان، إن سجلات الشعاب تشير إلى أن تقلبات النينيو خلال آخر 40 إلى 50 عامًا أصبحت أقوى مما كانت عليه في العصر السابق للتصنيع.

وتكتسب النتيجة أهمية خاصة لأنها تتزامن زمنيًا مع الارتفاع السريع في درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات.

لكن الباحثين يحذرون من القفز مباشرة من هذا الارتباط إلى نتيجة سببية نهائية.

فالسجلات المرجانية تستطيع أن توضح ما حدث وكيف تغيرت شدة الظاهرة عبر الزمن، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد ما إذا كان تغير المناخ هو العامل الوحيد المسؤول عن هذا التحول، ولا كيف ستتطور الظاهرة مستقبلًا.

لماذا يصعب إثبات العلاقة؟

النينيو ليس ظاهرة بسيطة يمكن فصلها عن بقية النظام المناخي.

إنه جزء من نظام معقد يربط بين المحيط والغلاف الجوي، ويتأثر بالتذبذبات الطبيعية والتغيرات في الرياح ودرجات حرارة سطح البحر، إضافة إلى عوامل أخرى يمكن أن تحدث على مدى عقود.

ولهذا فإن العلماء يحاولون التمييز بين التقلب الطبيعي وبين التأثير المحتمل لارتفاع تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.

ويشير عالم المناخ مارك كين، من جامعة كولومبيا، إلى أن الأدلة تتراكم لصالح احتمال أن يؤدي تغير المناخ إلى أحداث نينيو أكثر قوة.

لكن علماء آخرين يرون أن الصورة لا تزال أكثر تعقيدًا.

فكريستوفر كالاهان، عالم المناخ بجامعة أيداهو، يشير إلى أن نماذج مناخية مختلفة يمكن أن تنتج استنتاجات متعارضة بشأن تأثير الاحترار طويل الأمد على النينيو.

وهذا الاختلاف لا يعني أن البيانات غير مفيدة، وإنما يعكس مدى تعقيد النظام المناخي وصعوبة فصل الإشارة الناتجة عن تغير المناخ عن التقلبات الطبيعية التي قد تستمر لعقود.

لماذا يصعب إثبات العلاقة؟

النماذج المناخية لا تقدم إجابة واحدة

تعود المناقشات حول علاقة تغير المناخ بالنينيو إلى عقود.

فبعض النماذج المناخية أشار إلى أن ارتفاع تركيزات غازات الدفيئة يمكن أن يؤدي إلى زيادة تقلبات النينيو، بينما توقعت دراسات أخرى ارتفاع وتيرة الأحداث الشديدة.

وأشارت دراسة منشورة عام 2014، على سبيل المثال، إلى احتمال تضاعف تواتر أحداث النينيو المتطرفة في ظل الاحترار المستقبلي.

لكن نماذج أخرى توصلت إلى نتائج مختلفة، بينها توقع انخفاض سعة تذبذب النينيو على المدى الطويل، أو زيادة مؤقتة في شدته يعقبها ضعف.

لذلك، فإن الاتجاه العلمي الحالي لا يسمح بالقول إن كل أحداث النينيو المستقبلية ستكون أقوى من سابقتها.

والأكثر دقة هو القول إن هناك أدلة متزايدة على تغير خصائص النينيو في العقود الأخيرة، بينما لا يزال حجم الدور الذي يلعبه تغير المناخ محل بحث ونقاش علمي.

نينيو 2026.. اختبار جديد للنظام المناخي

يأتي هذا الجدل العلمي في توقيت بالغ الأهمية، إذ يشهد المحيط الهادئ الاستوائي حدث نينيو قويًا يتصاعد بسرعة.

وفي سبتمبر 2026، سجلت مناطق من شرق المحيط الهادئ انحرافات في درجات حرارة سطح البحر تجاوزت 3 درجات مئوية عن المتوسط في بعض المناطق، وفق بيانات NOAA.

وأظهرت أحدث توقعات المركز الأمريكي أن النينيو سيواصل التعزز حتى نهاية 2026، مع احتمال 75% لحدث يتجاوز قوة الأحداث السابقة منذ 1950 وفق معيار RONI، واحتمال يزيد على 90% لحدث «شديد جدًا» خلال خريف وشتاء 2026-2027.

كما أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن النينيو ترسخ بالفعل، وأن هناك احتمالًا يقارب 100% لاستمراره حتى فبراير 2027، مع توقع وصوله إلى شدة كبيرة قبل بلوغ ذروته قرب نهاية العام.

لكن قوة الحدث لا تعني أن تأثيراته ستكون متطابقة في جميع أنحاء العالم؛ فطبيعة تأثير النينيو تعتمد على المنطقة والموسم وعوامل مناخية أخرى.

هل ستصبح ظاهرة إل نينيو أكثر تأثيرًا مستقبلًا؟

الاحترار يجعل حتى النينيو المعتدل أكثر خطورة

إحدى النقاط الأكثر أهمية في هذا النقاش أن الخطر لا يرتبط فقط باحتمال زيادة قوة النينيو.

فحتى إذا بقيت شدة الظاهرة نفسها، فإنها تحدث اليوم فوق كوكب أكثر حرارة مقارنة بالماضي.

وفي عام 2024، وهو عام شهد ظاهرة نينيو، بلغ متوسط حرارة الأرض 1.55 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية، وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.

ويعني ذلك أن الحدث المناخي نفسه يمكن أن يحدث داخل نظام مناخي مختلف تمامًا.

الغلاف الجوي الأكثر دفئًا قادر على الاحتفاظ بكميات أكبر من بخار الماء، وهو ما يمكن أن يزيد شدة بعض أحداث الأمطار، بينما يمكن أن يؤدي التغير في أنماط توزيع المياه إلى تفاقم الجفاف في مناطق أخرى.

وهنا تظهر المفارقة: الاحترار لا يعني مزيدًا من الأمطار في كل مكان، وإنما يمكن أن يزيد من حدة التناقضات المائية بين المناطق.

من الفيضانات إلى الجفاف وحرائق الغابات

لظاهرة النينيو تأثيرات واسعة على أنماط الأمطار ودرجات الحرارة عالميًا.

وفي بعض المناطق، يمكن أن تزيد مخاطر الأمطار الغزيرة والفيضانات، بينما تواجه مناطق أخرى الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وحرائق الغابات.

وأعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن النينيو القوي يمكن أن يؤدي إلى تحولات كبيرة في أنماط الحرارة والأمطار، مع ارتفاع مخاطر الفيضانات والجفاف والحرارة الشديدة.

وفي 2026، بدأت آثار الظاهرة تظهر بالفعل في مناطق مختلفة، في وقت لا يُتوقع أن تصل فيه إلى ذروة تأثيرها قبل نهاية العام.

وهذا يضع قطاعات مثل الزراعة والمياه والصحة والطاقة والأمن الغذائي أمام الحاجة إلى الاستعداد لسيناريوهات أكثر تقلبًا.

«إل نينيو» يتضخم أمام أعيننا وقد يكون الأقوى منذ ألف عام

لماذا تهم هذه المسألة الأمن الغذائي؟

النينيو ليس مجرد ظاهرة محيطية بعيدة عن حياة الناس.

فعندما تتغير الأمطار ودرجات الحرارة على نطاق واسع، تتأثر مواعيد الزراعة والمحاصيل ومصادر المياه وأسعار الغذاء، وقد تتعرض بعض المناطق لموجات جفاف طويلة، بينما تواجه مناطق أخرى أمطارًا وفيضانات مدمرة.

وفي عالم أكثر دفئًا، يمكن أن تصبح آثار النينيو أكبر حتى عندما لا تكون الظاهرة نفسها في أقصى درجات قوتها.

وهذا يجعل تطوير أنظمة الإنذار المبكر والتنبؤات الموسمية والتخطيط الزراعي وإدارة المياه أدوات أساسية للتعامل مع المخاطر المتزايدة.

هل نحن أمام «عصر جديد» للنينيو؟

هنا يتوخى العلماء الحذر.

فوجود حدث قوي في 2026 لا يثبت بمفرده وجود اتجاه طويل الأجل، كما أن زيادة شدة النينيو خلال العقود الأخيرة لا تكفي وحدها لإثبات أن تغير المناخ هو العامل الوحيد وراء ذلك.

لكن تزايد الأدلة من مصادر مختلفة، بما فيها الشعاب المرجانية وحلقات الأشجار والنماذج المناخية وبيانات الرصد الحديثة، يجعل السؤال أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وتشير الصورة الحالية إلى أن تغير المناخ قد يؤثر في ديناميكيات النينيو، لكن حجم هذا التأثير وكيفية تطوره خلال العقود المقبلة لا يزالان قيد البحث.

والأهم أن العالم لا يحتاج إلى انتظار حسم كل تفاصيل هذا الجدل حتى يستعد.

من الفيضانات إلى الجفاف وحرائق الغابات

فحتى مع بقاء عدم اليقين العلمي بشأن اتجاه شدة النينيو على المدى الطويل، فإن ارتفاع حرارة الكوكب يزيد من خطورة الصدمات المناخية عندما تتزامن مع ظواهر طبيعية قوية مثل النينيو.

وهنا تكمن الرسالة الأوسع: قد لا يكون السؤال فقط ما إذا كان تغير المناخ سيجعل النينيو أقوى، وإنما ماذا سيحدث عندما تصطدم ظاهرة مناخية قوية بكوكب أصبح أكثر حرارة وهشاشة؟

↑
Exit mobile version