تشير دراسة اقتصادية وفنية أجرتها جامعة ميشيغان إلى أن الفرصة التجارية الأبرز للمفاعلات النووية الصغيرة SMRs في الولايات المتحدة قد لا تكون في إنتاج الكهرباء لشبكات الطاقة، وإنما في تلبية احتياجات القطاع الصناعي، خصوصًا إنتاج الهيدروجين وتوفير الحرارة اللازمة للعمليات الصناعية.
وخلصت الدراسة، التي أجراها باحثون من كلية الهندسة وكلية البيئة والاستدامة في جامعة ميشيغان ونشرت في دورية Nature Communications، إلى أن توجيه المفاعلات النووية الصغيرة نحو التطبيقات الصناعية يمكن أن يجعلها أكثر جدوى اقتصاديًا، خاصة مع وجود حوافز لإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون.
والمفاعلات النووية الصغيرة هي مفاعلات مدمجة يمكن تصنيع أجزاء كبيرة منها في المصانع ثم نقلها وتجميعها في موقع التشغيل. ويجري تطوير عشرات التصميمات حول العالم، لكن المسارات اللازمة للوصول إلى انتشار تجاري واسع النطاق لا تزال قيد التطوير.
نموذج لتحليل 34 مصنع أمونيا و9 مصانع صلب و47 مصفاة
طور فريق البحث نموذجًا لتحسين استخدام المفاعلات النووية الصغيرة، بهدف تحديد عدد المفاعلات وأنواعها التي يمكن أن تلبي احتياجات الطاقة بصورة اقتصادية في 34 مصنعًا للأمونيا، و9 مصانع للصلب، و47 مصفاة، و955 منشأة صناعية تعتمد على الحرارة اللازمة للعمليات الصناعية.
كما طور الباحثون نموذجًا ثانيًا لتحليل الطريقة الأكثر اقتصادية لتشغيل المفاعلات النووية الصغيرة داخل سوق الكهرباء بالجملة.
وشملت الدراسة مقارنة جدوى نشر المفاعلات مع وبدون الائتمان الضريبي لإنتاج الهيدروجين، وهو حافز أمريكي أُقر ضمن قانون خفض التضخم لعام 2022، ويمكن أن تصل قيمته إلى 3 دولارات لكل كيلوجرام من الهيدروجين النظيف المنتج وفق شروط البرنامج.
وأظهرت النماذج أن هذا الحافز يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا في الجدوى الاقتصادية وحجم الانتشار المحتمل للمفاعلات الصغيرة.
91 جيجاوات في الموجة الأولى
في ظل وجود الائتمان الضريبي، قدرت الدراسة أن المفاعلات النووية الصغيرة يمكن أن تصل إلى 91 جيجاوات كهربائية من القدرة خلال الموجة الأولى من الإنشاءات مع تحقيق أرباح.
في المقابل، انخفضت القدرة الاقتصادية المتوقعة إلى نحو 4 جيجاوات فقط في حالة عدم وجود الائتمان الضريبي.
وفي موجة ثانية من البناء، يمكن أن يؤدي الإنتاج واسع النطاق للمفاعلات إلى خفض تكاليف الإنشاء بنحو 20%، وفق افتراضات الدراسة.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تصل القدرة الاقتصادية المحتملة إلى 171.9 جيجاوات مع استمرار الحافز الضريبي، مقابل 7.8 جيجاوات فقط دون الحافز، وتعادل قدرة 171.9 جيجاوات نحو 1.8 مرة من إجمالي القدرة النووية الحالية في الولايات المتحدة.
وقال بريندان كوتشوناس، الأستاذ المشارك في الهندسة النووية وعلوم الإشعاع بجامعة ميشيغان وأحد مؤلفي الدراسة، إن التحليل يمكن أن يساعد المستثمرين والشركات وصناع القرار على تحديد المواقع والتطبيقات التي يمكن أن تحقق فيها المفاعلات الصغيرة جدوى اقتصادية أكبر.
الهيدروجين والأمونيا والتكرير في المقدمة
وجد الباحثون أن استخدام المفاعلات الصغيرة لإنتاج الهيدروجين كان السيناريو الأكثر ربحية ضمن التطبيقات التي جرى تحليلها.
ويعتمد هذا المسار على توفير الحرارة المرتفعة والكهرباء اللازمتين لفصل جزيئات الماء وإنتاج الهيدروجين.
وبحسب النموذج، يمكن أن تصل هوامش الربح المتوقعة لإنتاج الهيدروجين المستخدم في صناعة الأمونيا إلى نحو 300%، بينما تجاوزت هوامش الربح في معظم مواقع التكرير 50%، وبلغت نحو 20% في مواقع صناعة الصلب.
أما المنشآت التي تستخدم الحرارة الصناعية مباشرة، فلم تحقق سوى مجموعة محدودة منها هوامش ربح إيجابية، وكانت معظمها أقل من 10%.
وتجعل هوامش الربح المرتفعة في قطاعات الأمونيا والتكرير هذه التطبيقات أكثر قدرة على تحمل الزيادات في تكاليف إنشاء المفاعلات، بما في ذلك تجاوز الميزانية الأولية للمشروعات.
الكهرباء وحدها لا تمنح المفاعلات الصغيرة ميزة واضحة
في المقابل، لم تجد الدراسة أن المفاعلات النووية الصغيرة قادرة حاليًا على منافسة مصادر الطاقة المتجددة أو المفاعلات النووية الكبيرة، مثل مفاعلات AP1000، في أسعار الكهرباء الحالية في أسواق الجملة الأمريكية.
وهذا يعني أن التوسع في استخدام SMRs لإنتاج الكهرباء وحدها قد يظل محدودًا ما لم تتوافر إعانات أو حوافز إضافية، أو يحدث انخفاض كبير في تكاليف إنشاء هذه المفاعلات.
ويضع ذلك القطاع الصناعي في موقع مختلف؛ إذ يمكن للمفاعل الصغير أن يقدم في الوقت نفسه الكهرباء والحرارة والهيدروجين، وهي احتياجات يصعب تلبيتها بخيارات منخفضة الكربون في بعض الصناعات الثقيلة.
خفض الانبعاثات الصناعية
بلغت انبعاثات القطاع الصناعي الأمريكي نحو 1.36 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون في عام 2020.
وقدرت الدراسة أن دمج المفاعلات النووية الصغيرة في القطاعات الصناعية التي شملها التحليل يمكن أن يخفض الانبعاثات الصناعية الأمريكية بنحو 8% خلال الموجة الأولى من الإنشاءات، ويرتفع الخفض إلى 14% في الموجة الثانية.
وترى الباحثة جيسيكا لوفرينج، الباحثة في الهندسة النووية وعلوم الإشعاع بجامعة ميشيغان وباحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة أوبسالا السويدية، أن التقنيات الجديدة غالبًا ما تبدأ بالنجاح في أسواق متخصصة.
وبحسب طرحها، فإن تحفيز استخدام المفاعلات الصغيرة في التطبيقات الصناعية يمكن أن يسرّع خفض الانبعاثات في قطاع يصعب خفض انبعاثاته، وفي الوقت نفسه يوفر تطبيقًا عمليًا للتكنولوجيا قد يساعد على خفض تكاليفها مستقبلًا وتحسين قدرتها على المنافسة في سوق الكهرباء.
الصناعة قد تكون نقطة الانطلاق
تطرح الدراسة تصورًا مختلفًا لمسار انتشار المفاعلات النووية الصغيرة، فبدلًا من انتظار قدرتها على منافسة مصادر الكهرباء الحالية على نطاق واسع، يمكن أن يبدأ التوسع من التطبيقات الصناعية التي تمتلك احتياجات مرتفعة من الحرارة والكهرباء والهيدروجين.
ويظل هذا السيناريو مرتبطًا بعدة عوامل، من بينها استمرار الحوافز الحكومية، وتكاليف بناء المفاعلات، ومدى نجاح التصنيع واسع النطاق في خفض التكلفة، إضافة إلى تطور تصميمات SMRs ووصولها إلى التشغيل التجاري.
وبناءً على نماذج الدراسة، فإن إنتاج الهيدروجين المرتبط بصناعات مثل الأمونيا والتكرير قد يمثل أحد المسارات الاقتصادية الرئيسية لتسويق المفاعلات النووية الصغيرة في الولايات المتحدة، بينما تظل قدرتها على المنافسة في سوق الكهرباء التقليدي أكثر ارتباطًا بانخفاض تكاليف الإنشاء أو استمرار الدعم المالي.
