في مارس 2025، عرض الرئيس فيليكس تشيسيكيدي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، احتياطات بلاده من المعادن الحيوية على الولايات المتحدة وأوروبا مقابل الحصول على الأمن والاستقرار.
حينها، كانت ميليشيا «حركة 23 مارس» (M23) تشنّ هجمات دامية، تقتل المدنيين، وترتكب انتهاكات جنسية، وتهجّر السكان، وتنهب الموارد المعدنية.
ومنذ عام 1996، تعيش منطقة شرق الكونغو في أتون صراعات مسلّحة غذّتها قوى إقليمية وأكثر من 120 جماعة مسلّحة.
الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة بين رواندا والكونغو يثير تساؤلات حاسمة: هل هو طريق حقيقي نحو السلام، أم امتداد لاستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائمة على تأمين الموارد بالقوة الدبلوماسية؟
سباق عالمي نحو المعادن الحيوية
يشهد العالم سباقًا جيوسياسيًا محمومًا على المعادن النادرة، مدفوعًا بالتحول نحو الطاقة المتجددة، وتوسيع البنية التحتية الرقمية، وتحديث القدرات العسكرية.
ففي مطلع عام 2025، وقّع ترامب سلسلة أوامر تنفيذية تعتمد أساليب عدوانية أقرب إلى “دبلوماسية الإمبراطورية”، ملوحًا بضمّ كندا وفرض رسوم جمركية عليها، مطالبًا بحقوق في موارد غرينلاند، ومشترطًا دعمه لأوكرانيا بالحصول على معادنها.
ثروات الكونغو المعدنية
تمتلك الكونغو بعضًا من أغنى احتياطات العالم من المعادن الحيوية، وتقدّر ثرواتها غير المستغلة بنحو 24 تريليون دولار، وهو رقم يقترب من الناتج المحلي الأميركي في الربع الأول من 2025.
تنتج الكونغو 70% من الكوبالت العالمي، وتحتل المركز الرابع في إنتاج النحاس، والسادس في الألماس الصناعي، فضلًا عن احتياطيات ضخمة من النيكل والليثيوم، من بينها منجم “مانونو” الذي يُتوقّع أن يُنتج أكثر من 95 ألف طن من الليثيوم الخام.
لكن السيطرة على هذه الثروات غذّت دورات من العنف والتهجير والاستغلال. فبالرغم من توقيع عدة اتفاقات سلام، لا تزال الاستدامة بعيدة المنال.
المصالح الأميركية في الكونغو
تعود جذور التدخل الأميركي في الكونغو إلى الحرب الباردة، حين اتُّهمت واشنطن بلعب دور في اغتيال الزعيم الوطني باتريس لومومبا عام 1961، لأنه دعا إلى السيادة الاقتصادية.
وفي عام 1996، وُجّهت اتهامات للولايات المتحدة بدعم رواندا وأوغندا في غزوهما لشرق الكونغو. ونُقل عن دبلوماسي أميركي قوله في مدينة جوما: “أنا هنا لأمثل المصالح الأميركية”.
وفي 2024، التقى الرئيس جو بايدن بنظيره الكونغولي لدفع مشروع “ممر لوبِيتو”، كبديل استراتيجي للنفوذ الصيني، في ظل سيطرة الشركات الصينية على 80% من سوق النحاس الكونغولي.
أما اتفاق ترامب في 2025، فقد صرّح خلال توقيعه أن بلاده “ستكسب الكثير من حقوق المعادن والتجارة والاستثمارات في سلاسل الإمداد الإقليمية”.
صفقة سلام مشروطة
تُظهر الصفقة الأميركية في الكونغو تفضيلًا واضحًا للمصالح الاقتصادية على حساب حياة المواطنين. فثروات الكونغو لطالما أغنت النخب الأجنبية والمحلية، بينما ظلّ شعبها يعاني من الفقر والهشاشة.
وزادت الانتقادات بعد أن علّقت واشنطن مساعداتها للناجين من الحرب، بما في ذلك المعدات الطبية الطارئة والأدوية المضادة للفيروسات للمغتصبات.
الصفقة كذلك تجاهلت:
• الجذور العميقة للصراع محليًا وإقليميًا ودوليًا؛
• أدوار رواندا وأوغندا في دعم جماعات مسلحة، وعلى رأسها M23؛
• أصوات المجتمع المدني وضحايا الحرب، الذين أُقصوا من المفاوضات؛
• ضعف الدولة وانهيار المؤسسات؛
• التوترات الإثنية بين الهوتو والتوتسي، المرتبطة بتاريخ استعماري معقد؛
• وجود أكثر من 120 جماعة مسلّحة، كثيرٌ منها مدعوم من قوى أجنبية في إطار ما يُعرف بـ”الجريمة الجيوسياسية”.
وحدها شهري يناير وفبراير 2025 شهدا مقتل أكثر من 7 آلاف شخص، فيما وثّقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية جرائم فظيعة بعضها يرتقي لمستوى الإبادة.
طريق السلام الحقيقي
لا ينص الاتفاق على تحقيق العدالة للضحايا. وقد ندّد الحائز على جائزة نوبل للسلام، الدكتور دينيس موكويغي، بالصفقة، قائلًا إنها “تكافئ العدوان وتشرعن نهب الموارد وتضحّي بالعدالة في سبيل سلام هش”.
كما تغافلت عن أدوار الشركات العالمية التي راكمت الأرباح من حالة الفوضى في الكونغو.
السلام الحقيقي لا يمكن أن يُفرض من الخارج. فبدون عدالة، فإن الاستخراج المعدني بقيادة أميركية سيؤدي إلى تعميق الأزمة.
ومنذ عام 1999، تنتشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الكونغو، ومع ذلك لم يتوقف العنف.
السلام المستدام يتطلب:
- إنهاء الإفلات من العقاب؛
- تحقيقات شاملة في جرائم الحرب؛
- مسارات إقليمية للحقيقة والمصالحة؛
- تعويضات للضحايا؛
- والأهم: إشراك الشعب الكونغولي في صياغة مستقبله.
وإلا، فإن واشنطن تكرر تاريخًا طويلًا من الاستغلال… تتاجر في المعادن، وتتجاهل الدماء.
