إذا كنت تمشي بانتظام، فقد تعتقد أنك فعلت كل ما يلزم للحفاظ على لياقتك البدنية.
المشي بالفعل من أبسط وأفضل الطرق لإضافة الحركة إلى الحياة اليومية، ولا يحتاج إلى صالة رياضية أو معدات خاصة.
لكن دراسة واسعة تكشف أن هناك قطعة مهمة مفقودة من الصورة، وأن المشي وحده لا يضمن الوصول إلى مستوى اللياقة البدنية الذي توصي به الإرشادات الصحية.
المفارقة أن الملايين يمارسون المشي باعتباره نشاطهم الرئيسي، لكن نسبة صغيرة فقط منهم تجمع بين النشاط الهوائي وتمارين تقوية العضلات.
فما الذي ينقص المشي؟
المشي.. النشاط الأكثر شعبية، في الولايات المتحدة، قال نحو 44.1% من البالغين إن المشي هو نشاطهم الرئيسي خلال أوقات الفراغ.
وتستند هذه النسبة إلى دراسة واسعة اعتمدت على بيانات مسح هاتفي شمل 396,261 شخصًا بالغًا في عام 2019، وسأل المشاركين عن أنشطتهم الرياضية من بين 75 نوعًا مختلفًا من التمارين.
وقاد الدراسة فريق الباحث كريستيان أبيلدسو من جامعة وست فرجينيا، ونُشرت النتائج في دورية PLOS One في أبريل 2026.
وتؤكد هذه الأرقام مدى شعبية المشي باعتباره وسيلة سهلة للحركة والحفاظ على النشاط.
لكن الباحثين طرحوا سؤالًا أكثر دقة: هل المشي وحده يكفي لتحقيق اللياقة البدنية المتكاملة؟ الإجابة كانت: في معظم الحالات، لا.
لماذا لا يكفي المشي وحده؟
المشي، خصوصًا عندما يكون بوتيرة معتدلة وسريعة، يمكن أن يوفر قدرًا مهمًا من النشاط الهوائي، لكن اللياقة البدنية ليست عنصرًا واحدًا.
فالجسم يحتاج إلى أكثر من القدرة على المشي لمسافة طويلة؛ يحتاج أيضًا إلى عضلات قوية تستطيع تحمل الأحمال والحفاظ على الحركة والتوازن والقدرة الوظيفية مع التقدم في العمر.
ولهذا تتضمن الإرشادات التي استندت إليها الدراسة عنصرين أساسيين:
• 150 دقيقة على الأقل من النشاط البدني المعتدل أسبوعيًا
• تمارين لتقوية العضلات يومين على الأقل أسبوعيًا
والمشكلة أن كثيرًا من الأشخاص الذين يمارسون المشي بانتظام لا يحققون الشرطين معًا.
واحد من كل أربعة تقريبًا
عندما فحص الباحثون البيانات بصورة أكثر تفصيلًا، وجدوا أن نحو 25% فقط من الأشخاص الذين يعتبرون المشي نشاطهم الرئيسي كانوا يستوفون توصيات النشاط الهوائي وتمارين تقوية العضلات معًا.
أي أن غالبية هؤلاء الأشخاص كانوا يحصلون على جزء من النشاط المطلوب، لكنهم يفتقدون المكون الآخر، ووفق البيانات، لم يحقق نحو 21% من المشاة الهدفين معًا.
وهنا تظهر الفكرة الأساسية للدراسة: المشكلة ليست في المشي، وإنما في الاعتقاد بأن المشي وحده يغطي كل احتياجات اللياقة البدنية.
ماذا تضيف تمارين القوة؟
تمارين تقوية العضلات تستهدف جانبًا لا يحصل عليه الجسم بالضرورة من المشي المعتاد.
فالمشي يحرك عضلات الساقين ويزيد النشاط البدني، لكنه لا يوفر بالضرورة التحفيز الكافي للحفاظ على قوة جميع مجموعات العضلات أو تطويرها.
ويمكن أن تشمل تمارين القوة أنشطة متنوعة، مثل تمارين وزن الجسم أو استخدام الأوزان أو تمارين المقاومة.
ولا يشترط أن يتحول الشخص إلى لاعب كمال أجسام، الفكرة ببساطة هي إضافة جرعة منتظمة من المقاومة إلى النشاط الهوائي.
فإذا كان المشي يمثل الجزء الذي يرفع كفاءة القلب والتنفس، فإن تمارين القوة تضيف عنصرًا آخر يتعلق بقدرة العضلات على تحمل الجهد.
لكن أين يعيش الشخص قد يغير طريقة ممارسته للرياضة؟
كشفت الدراسة أيضًا عن اختلافات واضحة بين سكان المناطق الحضرية والريفية، في المناطق الريفية، يميل الناس إلى ممارسة أنشطة مثل البستنة والصيد وصيد الأسماك والعمل الزراعي، بينما تنتشر بين سكان المدن أنشطة مثل الجري وركوب الدراجات وتمارين القوة والرقص.
وهذه الاختلافات ليست مجرد مسألة تفضيلات شخصية، فالبيئة نفسها تؤثر في خيارات النشاط البدني.
في المدن، قد تتوافر صالات رياضية ومسارات للدراجات وبرامج رياضية منظمة، أما في المناطق الريفية، فقد تكون هذه الخيارات أقل توافرًا بسبب المسافات والبنية التحتية المحدودة.
والمفاجأة أن معدلات الخمول البدني الإجمالية كانت أعلى بين البالغين في المناطق الريفية مقارنة بسكان المدن.
هل يمكن تحويل الأعمال اليومية إلى تمارين قوة؟
هنا تقدم الدراسة فكرة عملية مهمة، خصوصًا لسكان المناطق الريفية، فبدلًا من النظر إلى تمارين القوة باعتبارها نشاطًا منفصلًا لا بد من ممارسته داخل صالة رياضية، يمكن دمج عناصر تقوية العضلات في الأنشطة اليومية.
فأعمال البستنة، وبعض الأعمال الزراعية والبدنية، يمكن أن تتضمن جهدًا عضليًا، لكن المهم هو أن يكون النشاط كافيًا لتوفير مقاومة عضلية حقيقية، لا مجرد حركة عابرة.
وهذا يفتح الباب أمام مفهوم أكثر مرونة للياقة البدنية: ليس بالضرورة أن يمارس الجميع الرياضة بالطريقة نفسها.
هل يعني ذلك أن تتوقف عن المشي؟
على العكس تمامًا، الدراسة لا تقول إن المشي غير مفيد، المشي يظل وسيلة ممتازة لإضافة النشاط إلى الحياة اليومية، ويمكن أن يكون نقطة البداية بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يمارسون الرياضة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المشي إلى النشاط الوحيد في البرنامج البدني.
فالشخص الذي يمشي بانتظام ثم يضيف يومين أسبوعيًا من تمارين تقوية العضلات يكون قد اقترب كثيرًا من الصورة التي تستهدفها التوصيات العامة.
وبذلك تصبح المعادلة أكثر وضوحًا: المشي للحركة والنشاط الهوائي، وتمارين القوة للحفاظ على العضلات وتقويتها.
اللياقة ليست عدد الخطوات فقط
أصبحت عدادات الخطوات والساعات الذكية تجعل الناس يركزون بشدة على عدد الخطوات التي يقطعونها يوميًا.
لكن عدد الخطوات لا يخبر القصة كلها، قد يحقق شخص عددًا كبيرًا من الخطوات يوميًا، لكنه يفتقد تمارين المقاومة.
وقد يمارس شخص آخر تمارين القوة بانتظام، لكنه يحتاج إلى زيادة نشاطه الهوائي، لهذا فإن قياس اللياقة لا ينبغي أن يتحول إلى مسابقة في عدد الخطوات فقط، الجسم يحتاج إلى تنوع في نوع الجهد.
وهناك فائدة أخرى للرياضة تتجاوز العضلات
تشير أبحاث أخرى إلى أن فترات قصيرة من النشاط البدني القوي قد ترتبط أيضًا بفوائد معرفية، بما في ذلك جوانب من الذاكرة.
وهذا يعني أن النشاط البدني لا يتعلق فقط بالقلب والعضلات والشكل الخارجي، بل قد يمتد تأثيره إلى الدماغ والوظائف الإدراكية، وبالتالي، فإن تنويع النشاط البدني قد يكون أكثر فائدة من الاعتماد على نوع واحد من الحركة.
لكن الدراسة لها حدود
هناك نقطة مهمة يجب عدم تجاهلها، فالبيانات التي اعتمد عليها الباحثون تعود إلى عام 2019، أي قبل التحولات الكبيرة التي طرأت على أنماط الحياة والعمل والنشاط البدني خلال جائحة كوفيد-19.
لذلك لا يمكن افتراض أن النتائج تعكس بالضرورة سلوك السكان في عام 2026.
ويرى الباحثون، أن هناك حاجة إلى دراسات تعتمد على بيانات أحدث لفهم كيفية تغير أنماط الحركة والنشاط بعد الجائحة.
تحرك أكثر.. لكن لا تتحرك بالطريقة نفسها دائمًا
المشي عادة صحية ممتازة، وربما تكون أفضل نقطة بداية لأي شخص يريد أن يصبح أكثر نشاطًا، لكن الوصول إلى لياقة بدنية متكاملة يحتاج إلى أكثر من تكرار الحركة نفسها يومًا بعد يوم.
الدرس الأهم من الدراسة ليس أن «المشي لا يكفي» بمعنى أنه غير مفيد، وإنما أن اللياقة لها أكثر من بُعد.
فالقلب والرئتان يحتاجان إلى النشاط الهوائي، بينما تحتاج العضلات إلى المقاومة، ويحتاج الجسم عمومًا إلى الحركة المنتظمة.
لذلك، إذا كان المشي هو روتينك الرياضي الأساسي، فقد لا تحتاج إلى التخلي عنه أو استبداله، قد تحتاج فقط إلى إضافة الجزء الذي كان مفقودًا طوال الوقت: بضعة أيام من تمارين تقوية العضلات إلى جانب المشي.
فالهدف في النهاية ليس أن تتحرك أكثر فقط، بل أن تجعل حركتك أكثر تنوعًا وملاءمة لما يحتاجه جسمك.
