تمتلئ شبكة الإنترنت بإعلانات لمدافئ كهربائية محمولة تزعم أنها قادرة على تدفئة المنزل «بأقل التكاليف»، بعض هذه الأجهزة يُسوَّق بوصفه «تسلا عالم التدفئة»، رغم عدم صلته بشركة إيلون ماسك، فيما يدّعي آخرون قدرتها على «تدفئة المنزل في ثلاث دقائق».
هذه الرسائل جذابة، خاصة خلال موجات البرد وارتفاع فواتير الطاقة، لكن هل تحمل أي قدر من الحقيقة؟
الإجابة المختصرة: لا، والسبب يعود إلى مبادئ فيزيائية أساسية.
أحد التفاصيل التي تغيب عن هذه الإعلانات أن معظم المدافئ الكهربائية تعمل بكفاءة تقارب 100%، هذا لا يعني أنها رخيصة التشغيل، بل يعني فقط أن الكهرباء التي تستهلكها تتحول تقريبًا بالكامل إلى حرارة.
تعمل هذه المدافئ بتمرير تيار كهربائي عبر سلك فيسخن، ثم تُنقل الحرارة إلى الغرفة إما بتسخين الهواء باستخدام مروحة، أو بالإشعاع الحراري من سطح ساخن، وحتى ما يبدو «فقدًا» للطاقة، مثل احتكاك محرك المروحة، ينتهي في النهاية كحرارة داخل الغرفة.
لا توجد حيلة هندسية
بالتالي، لا توجد حيلة هندسية أو مكوّن سري يجعل مدفأة تعمل بالكهرباء أكثر كفاءة من غيرها بشكل جذري. فإذا زعم منتج أنه يعطي حرارة أكبر باستهلاك كهرباء أقل، فذلك يستدعي الشك فورًا.
أما الادعاء بتدفئة منزل كامل خلال ثلاث دقائق، فهو يصطدم مباشرة بقوانين الفيزياء، فرفع درجة حرارة مئات الأمتار المكعبة من الهواء، مع تعويض الفاقد الحراري إلى الخارج، يتطلب طاقة هائلة. لتحقيق ذلك في وقت قصير يلزم توفر عشرات الكيلوواط من القدرة الكهربائية، وهو ما يفوق بكثير ما يمكن لمقبس كهربائي منزلي توفيره بأمان.
لذلك تُحدَّد قدرة معظم المدافئ المحمولة بنحو كيلوين من الكهرباء أو أقل، لتجنّب مخاطر ارتفاع حرارة الأسلاك، هذه القدرة قد تكفي لتدفئة غرفة صغيرة، لكنها لا يمكن أن تدفئ منزلًا كاملًا بسرعة.
خطرًا حقيقيًا وتهديدًا بالحريق
اختبارات مستقلة أجراها مهندسون ومراجعون كشفت تواضع أداء كثير من هذه الأجهزة المنتشرة على الإنترنت، ففي إحدى عمليات التفكيك، وجد مهندس كهرباء أن إحدى «المدافئ المعجزة» لا تنتج سوى 500 إلى 800 واط من الحرارة، أي أقل من نصف قدرة مدفأة كهربائية تقليدية.
وفي حالة أخرى، وُصف جهاز سيئ التصنيع بأنه «مشعل منازل آلي»، في إشارة ساخرة لكنها تعكس خطرًا حقيقيًا، إذ إن الأجهزة الرديئة قد تشكّل تهديدًا بالحريق، خاصة إذا تُركت تعمل دون مراقبة.
لهذا توصي جهات حماية المستهلك بالاعتماد على أجهزة تحمل شهادات أمان معتمدة، بدل المنتجات مجهولة المصدر التي تَعِد بالكثير دون ضمانات.
خطر شموع الشاي
ومن الاتجاهات الخطرة أيضًا محاولات تدفئة المنازل بالشموع أو «شموع الشاي» داخل أوعية فخارية أو معدنية، هذه الطرق غير فعالة وخطيرة، وقد حذرت منها أجهزة الإطفاء مرارًا لما تنطوي عليه من مخاطر الحريق والتسمم بأول أكسيد الكربون.
كما أنها مكلفة؛ فشمعة الشاي الواحدة تنتج نحو 35 واطًا فقط من الحرارة، وهي أغلى بكثير لكل كيلوواط/ساعة مقارنة بالكهرباء أو الغاز، ولا يغيّر وضعها تحت إناء فخاري من كمية الطاقة الناتجة.
للمدفآت الكهربائية المحمولة استخدامات محدودة ومشروعة، مثل تدفئة غرفة صغيرة لفترة قصيرة، لكنها ليست مصممة لتدفئة منزل كامل بشكل دائم.
وحتى في حالة الاعتماد على الكهرباء، فإن المشعات الجدارية الموصولة مباشرة بالشبكة الكهربائية أكثر أمانًا وقدرة من الأجهزة التي تعمل بالمقبس.
ومع ذلك، تظل التدفئة الكهربائية عمومًا أعلى تكلفة من التدفئة بالغاز، ما يكشف أن المشكلة الحقيقية ليست غياب «مدفأة معجزة»، بل ارتفاع أسعار الطاقة.
مستقبل مضخات الحرارة
من التقنيات التي قد تُحدث فرقًا حقيقيًا مستقبلًا: مضخات الحرارة، فهي تعمل بنقل الحرارة من الخارج إلى الداخل بدل توليدها مباشرة، ما يسمح بإنتاج حرارة تزيد على الكهرباء المستهلكة.
في المتوسط، توفر مضخة الحرارة الهوائية نحو 2.7 كيلوواط من الحرارة لكل كيلوواط/ساعة من الكهرباء، مع انبعاثات كربونية أقل بكثير من غلايات الغاز.
لكن هذه التقنية مكلفة في التركيب وتحتاج إلى منازل جيدة العزل، ما يجعلها غير مناسبة للجميع.
في النهاية، لا توجد حلول سحرية وسريعة. الحلول الحقيقية أقل بريقًا لكنها أكثر فعالية: تحسين العزل الحراري، استخدام أنظمة تدفئة أكثر كفاءة، والعمل على خفض تكلفة الطاقة نفسها.
وأي مدفأة تزعم أنها ستدفئ منزلك «بفلسات» لا تفعل سوى تجاهل أبسط قواعد الفيزياء.
