تغير المناخ يرفع فاتورة الكوارث الطبيعية عالميًا إلى 131 مليار دولار

خسائر كارثية في النصف الأول من 2025.. والطبيعة تُحاسب

ببت الكوارث الطبيعية في مختلف أنحاء العالم خلال النصف الأول من عام 2025 في خسائر إجمالية تُقدَّر بنحو 131 مليار دولار (مقارنة بـ155 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام السابق بعد تعديل التضخم)، منها 80 مليار دولار مغطاة تأمينيًا، وفقًا لأحدث الأرقام الصادرة عن شركة “ميونيخ ري”.

وتُعد هذه الأرقام أعلى بكثير من متوسطات السنوات العشر والثلاثين الماضية (بعد تعديل التضخم)، حيث بلغ متوسط الخسائر الإجمالية 101 و79 مليار دولار، والخسائر المؤمن عليها 41 و26 مليار دولار على التوالي.

وسجلت الخسائر المؤمن عليها ثاني أعلى مستوى لها في النصف الأول من أي عام منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1980، متجاوزة كل الأعوام السابقة ما عدا 2011، الذي شهد زلزالًا وتسوناميًا مدمرًا في اليابان.

أكبر كارثة طبيعية

شكلت الكوارث الجوية ما نسبته 88% من إجمالي الخسائر، و98% من الخسائر المغطاة تأمينيًا، في حين مثّلت الزلازل 12% و2% على التوالي.

وكانت أكبر كارثة طبيعية من حيث التكلفة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025 هي حرائق الغابات التي اندلعت في منطقة لوس أنجلوس الكبرى، بشكل استثنائي في فصل الشتاء، الذي يُفترض أن يكون ممطرًا.

قُدّرت الخسائر الإجمالية لهذه الحرائق بنحو 53 مليار دولار، منها حوالي 40 مليار دولار مغطاة بالتأمين، وهو ما يجعلها الحرائق الأعلى تكلفة على الإطلاق.

وقد تجاوزت وحدها ضعف خسائر جميع حرائق الغابات في عام 2018، الذي كان حتى ذلك الحين العام الأكثر تكلفة. وأسفرت هذه الحرائق عن مصرع 29 شخصًا.

حرائق الغابات

حرائق لوس أنجلوس

ورغم أن دراسات عديدة أشارت إلى أن تغير المناخ يزيد من احتمالات اندلاع حرائق الغابات، فإن الظروف المحيطة بحرائق لوس أنجلوس كانت معقدة.

حرائق لوس أنجلوس الأمريكية

فعلى سبيل المثال، يبدأ موسم الأمطار عادةً في جنوب كاليفورنيا خلال شهر أكتوبر، لكن عام 2024 شهد انخفاضًا كبيرًا في معدلات هطول الأمطار.

وبسبب وفرة الأمطار في السنوات السابقة، ازدهر الغطاء النباتي، ثم جاءت فترة جفاف طويلة في أواخر 2024 وأوائل 2025، فحوّلت النباتات إلى وقود سريع الاشتعال.

كما ساهمت رياح سانتا آنا الشتوية القوية في تأجيج النيران، ما وفّر بيئة نموذجية لانتشار الحرائق. فمع اندلاع النيران في 7 يناير، تسببت العواصف والرياح العاتية في تطاير الشرر، مُشعلة المباني واحدًا تلو الآخر.

وقال توبياس جريم، كبير علماء المناخ: “رياح سانتا آنا القوية أمرٌ شائع في كاليفورنيا شتاءً.

في الوقت نفسه، بات موسم الحرائق يمتد لفترات أطول بسبب قلة الأمطار.

أضرار في قسم كوفي بارك في سانتا روزا، كاليفورنيا، بعد حريق الغابات 

وهكذا، يتزامن عاملان مُسرّعان: الجفاف والرياح القوية. وكل ما يتطلبه الأمر هو شرارة واحدة في المكان الخطأ لتقع الكارثة”.

وتدعم شركة ميونيخ ري منذ سنوات “معهد السلامة التجارية والمنزلية” (IBHS) في الولايات المتحدة، الذي يُجري دراسات حول كيفية تحسين مقاومة المباني للحرائق ومنع انتشارها.

وتشمل أبحاث المعهد تحليل تصاميم البناء وتقنيات الإنشاء التي تعزز السلامة وتُقلل من الخسائر.

تغير المناخ يُضاعف من وتيرة وشدة الكوارث الجوية

من جانبه، قال توماس بلانك، عضو مجلس إدارة ميونيخ ري: “تغير المناخ واقع لا يمكن إنكاره، وهو يُعيد تشكيل الحياة على الأرض، وقد أدت ظواهر مثل كارثة لوس أنجلوس إلى توجيه رسالة واضحة: يتعيّن على الأفراد، والسلطات، والشركات، التكيف مع الأوضاع الجديدة، وتُعد الوقاية هي السبيل الأمثل لتقليل الخسائر، عبر بناء مبانٍ وبُنى تحتية أكثر قدرة على مقاومة الكوارث، كما تسهم هذه التدابير في الحفاظ على استقرار أسعار التأمين، بل وتحدّ من المخاطر على المدى الطويل من خلال تجنّب البناء في المناطق شديدة الخطورة”.

وأكّدت ميونيخ ري، أن الأدلة العلمية المتزايدة تُظهر أن تغير المناخ يُضاعف من وتيرة وشدة الكوارث الجوية.

فبعد عام 2024، الذي اعتُبر عامًا قياسيًا في درجات الحرارة، يُتوقع أن يكون عام 2025 مجددًا من بين أكثر الأعوام حرارة منذ بدء التسجيل.

ووفقًا لبيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، بلغ متوسط درجات الحرارة العالمية خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 1.4 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ما يجعله ثاني أكثر نصف عام أول حرارة على الإطلاق.

الكوارث المناخية

زلزال ميانمار ثاني أكبر كارثة طبيعية

أما ثاني أكبر كارثة طبيعية من حيث التكلفة خلال هذه الفترة، فكان الزلزال الذي ضرب ميانمار في 28 مارس، بقوة 7.7 درجات، وتسبب في مقتل نحو 4500 شخص.

ووقع الزلزال قرب مدينتي ساغاينغ وماندالاي، اللتين يقطنهما أكثر من مليون نسمة، وتُقدّر الخسائر الناتجة عنه بنحو 12 مليار دولار، مع تغطية تأمينية ضئيلة للغاية.

وقع الزلزال على امتداد صدع ساجينج، الممتد من شمال ميانمار إلى جنوبها.

كما تأثرت العاصمة التايلاندية بانكوك، التي تبعد 1000 كيلومتر عن مركز الزلزال، نتيجة التربة الطينية العميقة، التي تعمل على تضخيم حركة الأرض وإطالة مدتها.

أثار زلزال ميانمار المدمر في ميانمار

النصيب الأكبر من خسائر الكوارث الطبيعية

وكانت الولايات المتحدة مسؤولة عن النصيب الأكبر من خسائر الكوارث الطبيعية خلال النصف الأول من العام، خصوصًا بسبب حرائق الغابات في كاليفورنيا.

إلى جانب ذلك، شهدت البلاد عددًا من العواصف الرعدية الشديدة خلال مارس وأبريل ومايو، تسببت في أمطار غزيرة وأعاصير، وأدت أربع موجات عاصفة إلى خسائر تقدر بـ19 مليار دولار، منها 14.6 مليار دولار مغطاة بالتأمين.

وبلغ إجمالي الخسائر الناجمة عن هذه العواصف نحو 34 مليار دولار، منها 26 مليار دولار مؤمَّن عليها.

حريق إيتون في منطقة ألتادينا في لوس أنجلوس، كاليفورنيا،

الخسائر أقل من العام السابق في أوروبا

وفي أوروبا، رغم تعدد الظواهر المناخية المتطرفة، جاءت الخسائر أقل من العام السابق، حيث بلغت حوالي 5 مليارات دولار، تم تأمين أكثر من نصفها.

وكانت سلسلة من العواصف المصحوبة ببَرَد التي ضربت فرنسا والنمسا وألمانيا في يونيو، هي الكارثة الطبيعية الأبرز في القارة، وأسفرت عن مطالبات تأمينية بلغت 0.8 مليار دولار، وخسائر إجمالية بقيمة 1.2 مليار دولار.

وفي سويسرا، شهد كانتون فاليه انهيارًا أرضيًا كبيرًا في وادي لويتشنتال في 28 مايو، نتج عن تدفق ملايين الأطنان من الحطام والجليد من نهر بيرش الجليدي، دافنًا قرية بلاتن التي تم إخلاؤها سابقًا بالكامل تقريبًا.

وتُقدّر الخسائر بنحو نصف مليار دولار، منها 0.4 مليار دولار مغطاة بالتأمين. ويرجح العلماء تكرار هذه الظواهر بسبب ذوبان الأنهار الجليدية وتراجع التربة الصقيعية نتيجة الاحترار العالمي، مما يُضعف استقرار الجبال.

إعصار “ألفريد” ثاني أسوأ كارثة طبيعية

أما في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فكان الإعصار المداري “ألفريد” ثاني أسوأ كارثة طبيعية بعد زلزال ميانمار.

وقد بلغ قوة عاصفة من الفئة الرابعة، وتسبب في فيضانات عارمة وانقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص.

وبلغت الخسائر الناجمة عنه نحو 3.5 مليار دولار، منها 1.4 مليار دولار مؤمَّن عليها.

وقد شكّل مساره المفاجئ نحو الجنوب، في منطقة غير استوائية شرقي بريزبين، ظاهرة نادرة.

وتُشير التوقعات إلى أن الأعاصير المدارية قد تهدد هذه المناطق المكتظة بالسكان بصورة متزايدة في المستقبل بفعل تغير المناخ.

إعصار ألفريد

زلزال تايوان

وفي تايوان، أدى زلزال بقوة 6 درجات ضرب مدينة تاينان في 21 يناير إلى خسائر تقدر بـ1.3 مليار دولار، منها 0.6 مليار دولار مغطاة بالتأمين، خاصة في قطاع أشباه الموصلات، الذي يتطلب ظروف إنتاج فائقة الدقة في غرف نظيفة، حيث يؤدي توقف التصنيع إلى تلف كامل للمنتجات قيد الإنتاج.

وفي جنوب غرب المحيط الهندي، ضرب إعصاران المنطقة، وتسببا في خسائر إجمالية بلغت 1.5 مليار دولار.

فقد اجتاح إعصار “غارانس” جزيرة ريونيون الفرنسية برياح تصل إلى 180 كلم/ساعة، أعقبه إعصار آخر ضرب موزمبيق ومدغشقر. وتعرضت بنية تحتية ومساكن عديدة للدمار، خصوصًا في موزمبيق.

وكانت الحصة الأكبر من الخسائر المؤمن عليها – بنحو 0.4 مليار دولار – في جزيرة ريونيون، فيما لم تكن هناك تغطية تأمينية تُذكر في موزمبيق.

وإجمالًا، بلغت خسائر النصف الأول من 2025 في منطقتي آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا نحو 29 مليار دولار، وهو ما يقل قليلًا عن متوسط السنوات العشر الماضية. ولم يُؤمَّن سوى على نحو 5 مليارات دولار من هذه الخسائر.

Exit mobile version