أظهرت أبحاث جديدة أن مزارع الأعشاب البحرية تخزن الكربون بكفاءة تماثل النظم البيئية الساحلية الطبيعية، مما يعزز من إمكانات أساليب إزالة الكربون البحرية.
تُظهر الدراسة، التي دعمتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ونُشرت مؤخرًا في مجلة “نيتشر: تغيّر المناخ”، أن مزارع الأعشاب البحرية قادرة على تخزين الكربون العضوي في رواسبها بمعدلات تضاهي معدلات موائل الكربون الأزرق الطبيعية. ويُطلق مصطلح “الكربون الأزرق” على الكربون المُلتقط والمُخزَّن في النظم البيئية البحرية، والذي يمكن أن يُسهم في التخفيف من آثار تغير المناخ.
استخدم علماء الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقنيات نووية لتقييم معدلات دفن الكربون في أول تقييم شامل وتجريبي لتخزين الكربون في مزارع الأعشاب البحرية حول العالم، ما يفتح آفاقًا جديدة في مجال التخفيف من آثار التغير المناخي.
حل محتمل لتغير المناخ قائم على الطبيعة
أُشيد بالكربون الأزرق – وهو الكربون المُخزَّن في النظم البيئية البحرية – كحلٍّ طبيعيٍّ واعد للتخفيف من آثار تغير المناخ. فالنظم البيئية الطبيعية، مثل غابات المانغروف ومروج الأعشاب البحرية والمستنقعات المالحة، تحتجز الكربون في رواسبها بمعدلات تفوق نظيراتها من النظم الأرضية. وتؤكد الدراسة، المدعومة من مشروع الأعشاب البحرية العالمي التابع لمبادرة “محيطات 2050″، أن مزارع الأعشاب البحرية، رغم أنها غير طبيعية النشأة، يمكن إدراجها ضمن هذه الفئة.
وبتحليل بيانات من مزارع الأعشاب البحرية في خمس قارات، أظهرت الدراسة أن هذه المزارع قادرة على دفن الكربون في الرواسب بمعدلات تضاهي موائل الكربون الأزرق الطبيعية. وقال بير ماسك، أحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة والموظف السابق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية: “افترضنا أن دفن الكربون في هذه الرواسب سيكون ذا أهمية، وبدعم من فرق محلية متميزة، اختبرنا ذلك في 20 مزرعة أعشاب بحرية مختلفة حول العالم”.
تُعد عملية تحديد معدلات تراكم الكربون العضوي في الرواسب البحرية أمرًا معقدًا، لكنها قابلة للتنفيذ باستخدام تقنيات نووية. تتراكم الرواسب البحرية عبر الزمن في طبقات، وتُجمع العينات باستخدام مثقبات الرواسب، وهي أنابيب أسطوانية طويلة تُغرس عموديًا في الرواسب لجمع العينات مع الحفاظ على سلامة الطبقات. بعد جمع العينات وتحضيرها، يستخدم العلماء نظير الرصاص-210، وهو نويدة مشعة طبيعية، لحساب معدلات تراكم الرواسب. يقول ماسك: “يبلغ عمر النصف للرصاص-210 نحو 22 عامًا، لذا يمكننا استخدامه لتقييم معدلات التراكم على مدى عقود وحتى قرن. وهذا يمكننا من تحديد معدلات دفن الكربون العضوي في هذه النظم البيئية”.
وقال بيت جاسر، الباحث في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يعمل عن قرب مع المشروع: “هذا النوع من الأبحاث مثير للاهتمام للغاية، لأنه يتيح فرصًا أوسع للعلماء لإجراء هذا العمل المهم. الأدوات النووية التي نستخدمها تمنحنا دقة استثنائية في حساب معدلات تراكم الكربون، وهو عنصر أساسي في هذا المجال الناشئ”.
الكربون الأزرق: مجال بحثي ناشئ
يُعد دور الكربون الأزرق في التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها مجالًا بحثيًا متطورًا. ومع تزايد توافر البيانات، يمكن لأصحاب القرار في السياسات والقطاع الخاص الاستفادة منها لتطوير استراتيجيات مستدامة وتقنيات مناخية متقدمة.
وقال كارلوس دوراتي، المؤلف الرئيسي للدراسة وكبير العلماء في مبادرة “محيطات 2050”: “توفر زراعة الأعشاب البحرية حلًا طبيعيًا قابلًا للتوسع لإزالة الكربون، إلى جانب فوائد أخرى مثل تعزيز التنوع البيولوجي، وخلق فرص اقتصادية، وتعزيز الأمن الغذائي”.
ويزداد عدد مزارع الأعشاب البحرية حول العالم. وتلقى الأعشاب البحرية شعبية متزايدة كغذاء، وتُستخدم أيضًا في الصناعات الدوائية، ومستحضرات التجميل، والأسمدة. وتُجري نحو 35 دولة حول العالم حصادًا تجاريًا للأعشاب البحرية في مياه تتراوح من الباردة إلى المعتدلة والاستوائية.
وفي ظل سعي العالم لمواجهة آثار انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الزائدة، يواصل العلماء البحث عن حلول فعالة. وتشير التوقعات إلى الحاجة لإجراء مزيد من الدراسات لتحديد معدلات تراكم الكربون على مستوى العالم. وتسهم الوكالة الدولية للطاقة الذرية في هذا الجهد من خلال نقل المعرفة وبناء القدرات في الدول المختلفة، دعمًا للفهم العالمي لمخزون الكربون الأزرق.
