2050.. القارة السمراء تتحول إلى قارة المدن.. النمو السريع وضغط الخدمات
ثلثا الأفارقة سيعيشون في المدن بحلول 2050.. تحديات وفرص التحول العمراني
هل تنجح إفريقيا في بناء مدن أكثر شمولًا وعدلًا من البداية؟
بحلول عام 2050، يُتوقع أن يتضاعف عدد سكان إفريقيا تقريبًا، مع تركّز نحو 80% من هذا النمو في المناطق الحضرية، ليصبح ثلثا الأفارقة من سكان المدن.
هذا التوسع العمراني غير المسبوق يفتح الباب أمام فرص هائلة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات كبيرة أمام الدول الإفريقية.
في حوار مع سلسلة بودكاست “نساء يقُدن التغيير” التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تناولت الخبيرة الاقتصادية النسوية المتخصصة في التخطيط العمراني أستريد ر. ن. هاس ثلاث ركائز أساسية لتحقيق نمو شامل ومستدام: الحوكمة، والتخطيط، والتمويل.
التخطيط والسياسات الوطنية
ترى هاس أن صانعي السياسات مطالبون بأن يكونوا أكثر استباقية، عبر التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية للبنية التحتية والخدمات والإسكان، والتخطيط المسبق للاستثمارات المطلوبة.
وتؤكد أن قضايا التحضر يجب أن تُعامل كأولوية وطنية، لا مجرد شأن محلي، إذ إن المدن – إذا أُديرت بشكل سليم – تمثل محركات للنمو الاقتصادي في مختلف البلدان.
وشددت على أن المؤسسات الوطنية ينبغي أن تكون ملائمة للغرض والسياق، مع وضوح في المسؤوليات لتجنب تفتت القرارات.
كما أن البنى الإدارية لا بد أن تدعم ذلك، ليس فقط من منظور قطاعي، بل من منظور جغرافي أيضًا.
وأشارت إلى التحديات التي تواجه الحكم المحلي في إفريقيا، حيث غالبًا ما يخضع لسلطة الحكومات المركزية، ولا يحظى بالاعتراف أو المكانة ذاتها، رغم مسؤوليته المباشرة عن تقديم الخدمات الأساسية.
وقدمت جنوب إفريقيا مثالًا لافتًا، إذ يُعامل الحكم البلدي هناك كسلطة منفصلة، لكنها متساوية مع باقي مستويات الحكومة.
كما تعمل الخزانة الوطنية على إعداد إطار موحد للأجور يضمن معاملة عادلة للموظفين على اختلاف مواقعهم.
التمويل طويل الأجل
أكدت هاس أن اعتماد خطط قصيرة الأجل – تمتد من سنتين إلى خمس سنوات – غير كافٍ، داعية إلى تبني استراتيجيات تمويل طويلة المدى تتجاوز الأطر السياسية الضيقة.
فالمشروعات الكبرى في البنية التحتية والخدمات تتطلب استمرارية في التمويل والالتزام، بغض النظر عن تغير الحكومات.
وشددت على ضرورة تحديد دور كل من القطاعين العام والخاص في تنفيذ الاستثمارات، بحيث تُوجَّه الموارد إلى المجالات التي تحقق أعظم منفعة عامة، سواء من خلال تعزيز الإنتاجية أو تحسين جودة الحياة عبر الإسكان الاجتماعي والخدمات الأساسية، أو كليهما معًا.
البيانات ورسم السياسات
ترى الخبيرة أن البيانات الدقيقة أداة لا غنى عنها لتوجيه الاستثمارات إلى الأماكن التي تشهد توسعًا سكانيًا أو نقصًا في الخدمات.
وأوضحت أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بالتعاون مع منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة، أعدت المرصد العالمي لتمويل واستثمار الحكومات المحلية، الذي يوفر بيانات قابلة للمقارنة عن تمويل المدن في إفريقيا.
لكنها حذرت في الوقت ذاته من خطورة الثقة المطلقة في الأرقام، قائلة: “السؤال ليس فقط ماذا تُظهر البيانات، بل أيضًا من يغيب عنها”.
فالفئات غير الممثلة في الإحصاءات الرسمية – مثل النساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي أو الزراعة الحضرية – معرضة للإقصاء من السياسات العامة.
العدالة الجندرية في تصميم المدن
أشارت هاس إلى أن معظم المدن حول العالم صُممت تاريخيًا من منظور ذكوري، ما جعلها غير شاملة في كثير من الجوانب.
لكن إفريقيا، حيث لا يزال معظم عمرانها في طور البناء، تملك فرصة فريدة لتصميم مدن أكثر عدلًا وشمولًا منذ البداية.
وأكدت أن التمويل البلدي هو العامل الحاسم في هذا المجال، إذ يحدد مصدر الأموال وطريقة إنفاقها طبيعة المدن للأجيال المقبلة.
لذلك، على الحكومات أن تفحص بعناية أثر الضرائب والرسوم – الرسمية وغير الرسمية – على مختلف الفئات الاجتماعية، وأن توازن النفقات بما يحقق فرصًا اقتصادية واجتماعية أوسع، مثل توفير وسائل نقل عام ميسرة، ورعاية أطفال بأسعار مناسبة، ومساحات عامة لائقة.
تحديات الاقتراض
وأوضحت هاس، أن الاقتراض يشكل عنصرًا أساسيًا في معادلة التمويل البلدي، لكنه ما زال محدودًا في معظم المدن الإفريقية بسبب ضعف الوصول إلى أسواق المال.
وحتى عندما يصبح الاقتراض ممكنًا، فإنه لا ينبغي النظر إليه كأداة مالية قصيرة الأمد، بل كـ “عقد بين الأجيال”، إذ ستتحمل تبعاته أجيال المستقبل إلى جانب دافعي الضرائب اليوم.






