الفجوة الجديدة في عصر الذكاء الاصطناعي.. من يتعلم التقنية ومن يكسب منها؟

تعلموا الذكاء الاصطناعي.. لكن من يملك الجهاز والإنترنت والعلاقات للحصول على الوظيفة؟

يتعلم الشباب حول العالم استخدام الذكاء الاصطناعي بسرعة غير مسبوقة، لكن امتلاك القدرة على استخدام أدواته لا يعني بالضرورة امتلاك وظيفة أو دخل أو فرصة اقتصادية أفضل.

هذه هي الفجوة الجديدة في عصر الذكاء الاصطناعي: المسافة بين الشخص القادر على تعلم التكنولوجيا، والشخص القادر على تحويل هذا التعلم إلى مصدر دخل أو وظيفة أو مشروع.

وتكشف بيانات مسح حديث للشباب أجرته منصة Goodwall أن 91% من الشباب يستخدمون الذكاء الاصطناعي مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، بينما يستخدمه 60.2% يوميًا.

ومن بين الذين قيّموا قدراتهم بأنفسهم، قال 97.1% إنهم واثقون بدرجة ما على الأقل من استخدام الذكاء الاصطناعي في التعلم أو الإبداع أو العمل.

لكن هذه الثقة العالية لا تجيب عن السؤال الأهم: هل غيّر الذكاء الاصطناعي بالفعل فرصهم الاقتصادية؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.

الفجوة لم تعد فقط: من يستطيع الوصول إلى التكنولوجيا؟

في المراحل الأولى من الثورة الرقمية، كان الحديث يدور حول من يمتلك جهاز كمبيوتر واتصالًا بالإنترنت ومن لا يمتلكهما.

ومع انتشار الهواتف الذكية والخدمات الرقمية، تطور النقاش إلى القدرة على استخدام التكنولوجيا.

لكن الذكاء الاصطناعي يفتح طبقة جديدة من عدم المساواة.

فقد يعرف شخص كيفية كتابة الأوامر للنماذج التوليدية، وإنشاء المحتوى أو تطوير فكرة أو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يمتلك بالضرورة:
• جهازًا مناسبًا ومستمرًا للاستخدام
• اتصالًا موثوقًا بالإنترنت
• تدريبًا عمليًا
• فرصة للتدرب داخل بيئة عمل حقيقية
• شبكة علاقات مهنية
• تدريبًا مدفوعًا أو وظيفة أولى
• رأس مال لتحويل فكرة إلى مشروع
• عميلًا مستعدًا للدفع مقابل مهارته

وبالتالي، فإن معرفة استخدام الذكاء الاصطناعي ليست هي نفسها امتلاك فرصة اقتصادية بفضله.

46.8% من الشباب يريدون تأسيس مشروعاتهم

الطلب على تحويل المهارات إلى فرص اقتصادية موجود بالفعل.
وتشير أبحاث Career Compass التابعة لـGoodwall إلى أن 46.8% من الشباب قالوا إنهم يريدون تأسيس مشروعهم الخاص، بينما قال 43.7% آخرون إنهم منفتحون على هذه الفكرة.

لكن الطموح يصطدم بعقبة رئيسية.
فقد حدد 68.9% الضغوط المالية أو الأسرية باعتبارها أكبر عائق يقف بينهم وبين طموحاتهم.

وهذا يعني أن الشاب الذي يحتاج إلى المساهمة في دخل أسرته قد لا يستطيع تحمل أشهر من التجارب غير المدفوعة حتى يطور مهارة جديدة أو يحول فكرة إلى مشروع.

وفي هذه الحالة، قد تضيف دورة تدريبية جديدة معرفة إلى رصيده، لكنها لا تغير بالضرورة وضعه الاقتصادي.

لماذا لا تكفي دورات الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي

المشكلة ليست في تعليم الشباب الذكاء الاصطناعي، بل في التوقف عند هذه النقطة، فالمرحلة الأولى هي أن يعرف الشاب كيف تعمل أدوات الذكاء الاصطناعي وكيف يستخدمها.

لكن القيمة الاقتصادية تبدأ عندما يستطيع تطبيق هذه المعرفة على مشكلة حقيقية.
قد يعني ذلك تنفيذ مهمة بصورة أفضل لصالح صاحب عمل، أو تقديم خدمة يدفع عميل مقابلها، أو بناء منتج، أو تأسيس مشروع، أو استخدام الذكاء الاصطناعي لحل مشكلة داخل المجتمع المحلي.

وبالتالي، فإن التعليم المطلوب يجب أن ينتقل من:
التعلم → إلى التطبيق → إلى إثبات المهارة → إلى العمل أو الدخل.

وهذه السلسلة هي التي يمكن أن تحدد ما إذا كانت ثورة الذكاء الاصطناعي ستوسع الفرص الاقتصادية أم ستنتج جيلًا واسعًا من المستخدمين المهرة الذين لا يجدون طريقًا واضحًا إلى سوق العمل.

البنية التحتية قد تكون الفجوة الأولى

البنية التحتية

الفجوة لا تبدو بالطريقة نفسها في جميع المجتمعات.
ففي بعض المناطق، يتعلم الطلاب في أنظمة تعليمية لديها استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، ومؤسسات بدأت بالفعل في دمج التكنولوجيا في التعليم والتدريب.

لكن في مناطق أخرى، لا تزال المدارس تفتقر إلى معامل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وقد لا يمتلك الطلاب أجهزة يمكنهم استخدامها بصورة منتظمة.

وهنا يصبح السؤال عن قدرة دورة تدريبية على توفير وظيفة سؤالًا سابقًا لأوانه.

فإذا لم يستطع الشاب الوصول إلى التكنولوجيا بعد انتهاء البرنامج، فكيف سيواصل بناء مهاراته؟

وفي مجتمعات أخرى، قد تكون الأجهزة والإنترنت متوفرين، لكن المشكلة تكمن في غياب الطريق من التدريب إلى الوظيفة.

وهكذا يمكن أن تتغير الفجوة من: هل تستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي؟

إلى: هل تستطيع استخدامه بطريقة تجعل صاحب عمل أو عميلًا أو مستثمرًا مستعدًا لدفع المال مقابل ما تستطيع فعله؟

التدريب العملي.. الحلقة المفقودة بين التعلم والعمل
إذا كان الهدف هو توسيع المشاركة الاقتصادية، فإن تصميم تعليم الذكاء الاصطناعي يجب أن يبدأ من النتيجة النهائية المطلوبة.

بدلًا من السؤال فقط: ماذا يجب أن يتعلم الشاب؟

يجب أن يكون السؤال: ماذا سيحدث بعد أن يتعلم؟
وهنا تبرز أهمية ربط التدريب بمشروعات حقيقية وتحديات مرتبطة بالعمل وفرص التدريب العملي والتدريب المهني وريادة الأعمال.

فالعمل على مشروع حقيقي يسمح للشاب بتحويل المعرفة النظرية إلى شيء يمكن عرضه على صاحب عمل أو عميل.

كما يمنحه فرصة لبناء سجل أعمال أو Portfolio يثبت ما يستطيع فعله بدل الاكتفاء بشهادة حضور دورة تدريبية.

المرشدون والخبراء يمكن أن يحولوا المهارة إلى مسار مهني
المهارة وحدها لا تكفي دائمًا، كثير من الشباب يحتاجون إلى شخص يساعدهم على فهم كيفية الانتقال من التعلم إلى سوق العمل.

وهنا يأتي دور المعلمين والمرشدين والمهنيين من داخل الصناعة.

يمكن للمرشد أن يساعد الشاب في الإجابة عن أسئلة عملية:

• ما المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل؟
• كيف أبني ملف أعمال قويًا؟
• كيف أثبت أنني أستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة فعالة ومسؤولة؟
• أين توجد فرص العمل؟
• كيف أحول فكرة إلى خدمة يمكن بيعها؟
• وما الخطوة التالية بعد انتهاء التدريب؟
هذه الأسئلة قد تكون حاسمة بقدر أهمية المحتوى التقني نفسه.

الشهادة لم تعد كافية.. سوق العمل يحتاج إلى دليل على القدرة

مع انتشار مهارات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتراجع قيمة الاكتفاء بشهادة إتمام دورة تدريبية.

فإذا أصبح عدد كبير من الشباب قادرًا على القول إنه تعلم الذكاء الاصطناعي، فإن أصحاب العمل سيحتاجون إلى إشارات أفضل تتيح لهم التمييز بين من حضر دورة تدريبية ومن يستطيع فعلًا استخدام هذه المهارات في العمل.
وهنا تزداد أهمية إثبات القدرة العملية.

مشروع مكتمل، تجربة حقيقية، ملف أعمال، مهمة عملية أو حل لمشكلة يمكن أن يصبح أكثر أهمية في بعض الحالات من مجرد شهادة تؤكد حضور برنامج تدريبي.

وهذا قد يدفع سوق العمل تدريجيًا نحو تقييم ما يستطيع الشخص إنجازه بالفعل، وليس فقط ما درسَه.

967 ألف متعلم حصلوا على فرص لتطوير مهارات الذكاء الاصطناعي

تظهر بعض البرامج بالفعل محاولات لربط التعلم بالفرص.
فبحسب المادة، أتاحت الشراكة بين Goodwall وHP، ضمن برنامج AI to Opportunity التابع لـNextGen AI Alliance، فرصًا لتطوير مهارات الذكاء الاصطناعي لنحو 967 ألف متعلم منذ نوفمبر 2025.

كما وصلت أكثر من 130 جهازًا من HP إلى شباب يفتقرون إلى الاتصال والتجهيزات في أكثر من 50 دولة.
وتستهدف المبادرة الجمع بين المهارات والأجهزة والشبكات والفرص بدل التعامل مع التدريب باعتباره مرحلة منفصلة عن الحياة المهنية.

كما تتجه الجهود إلى مساعدة رواد الأعمال الشباب من خلال مهارات الأعمال والتمويل الأولي والشبكات والإرشاد.

وهذا النموذج يعكس الفكرة الأساسية: إغلاق فجوة الذكاء الاصطناعي لا يتطلب فقط تعليم الناس التكنولوجيا، بل بناء المسار الذي يقود من التكنولوجيا إلى العمل.

من «الذكاء الاصطناعي للجميع» إلى «الفرصة الاقتصادية للجميع»

الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي قد يعطي انطباعًا بأن الفجوة الرقمية تتقلص.
لكن امتلاك القدرة على استخدام التكنولوجيا لا يعني أن الفوائد الاقتصادية ستتوزع تلقائيًا.

فشخصان قد يمتلكان المستوى نفسه من المعرفة بالذكاء الاصطناعي، لكن أحدهما لديه جهاز سريع، وإنترنت مستقر، ومدرسة أو جامعة قوية، وشبكة علاقات مهنية، وفرصة تدريب، وربما رأس مال لبدء مشروع.

بينما لا يمتلك الآخر أيًا من هذه الموارد، النتيجة أن المهارة نفسها قد تنتج عائدًا اقتصاديًا مختلفًا جذريًا، وهنا تتحول الفجوة الرقمية إلى فجوة في الدخل والفرص.

الذكاء الاصطناعي قد يخلق جيلًا أكثر مهارة.. أو أكثر تفاوتًا

التحدي أمام الحكومات والمؤسسات التعليمية والشركات ليس فقط زيادة عدد الأشخاص الذين يتعلمون الذكاء الاصطناعي.

بل ضمان أن يستطيع هؤلاء الأشخاص استخدام ما تعلموه في العالم الحقيقي.

وهذا يتطلب بناء منظومة مترابطة تشمل:
التعليم + الأجهزة + الاتصال + التدريب العملي + الإرشاد + الشبكات المهنية + إثبات المهارة + فرص العمل + ريادة الأعمال والتمويل.

من دون هذه السلسلة، يمكن أن يصبح تعليم الذكاء الاصطناعي مجرد تراكم جديد للشهادات والمهارات النظرية.

أما إذا اكتملت السلسلة، فيمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتوسيع المشاركة الاقتصادية، خصوصًا بين الشباب الذين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى.

الفجوة القادمة: من يتعلم الذكاء الاصطناعي ومن يستطيع أن يعيش منه؟

كانت الفجوة الأولى في عصر الذكاء الاصطناعي تدور حول من يستطيع الوصول إلى التكنولوجيا وتعلم استخدامها.

أما الفجوة التالية، فتتعلق بسؤال أكثر صعوبة: من يستطيع تحويل هذه المعرفة إلى مصدر رزق؟

وهذا التحول مهم لأن مستقبل العمل لن يتحدد فقط بعدد الأشخاص الذين يعرفون استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما بعدد الأشخاص الذين يستطيعون استخدامه لإنتاج قيمة اقتصادية حقيقية.

لذلك، فإن الاستثمار في مهارات الذكاء الاصطناعي يجب أن يتحول من مجرد تدريب إلى بناء مسارات واضحة من التعلم إلى العمل والدخل.

فالمعيار الحقيقي لنجاح الثورة التكنولوجية ليس أن يصبح عدد أكبر من الشباب قادرًا على استخدام الذكاء الاصطناعي فقط، بل أن يصبح عدد أكبر منهم قادرًا على تحويل هذه القدرة إلى وظيفة أو مشروع أو دخل وفرصة اقتصادية أكثر استقرارًا.

المصدر: المادة الأصلية للمنتدى الاقتصادي العالمي، بقلم طه باوا، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لـGoodwall، وميشيل مالجيكي، الرئيسة العالمية لبرامج الأثر الاجتماعي في HP Inc.، ضمن موضوعات الذكاء الاصطناعي ومركز التميز في الذكاء الاصطناعي.

↑
Exit mobile version