الغبار الجوي.. المتهم المنسي في تلوث هواء المدن الكبرى.. تلوث صامت يهدد الصحة الحضرية

9 من كل 10 سكان المدن الضخمة يتعرضون لمستويات خطرة من الغبار فوق 81 مدينة كبرى

تتحول المدن بسرعة إلى الحيز السكني الرئيسي لحياة البشر؛ إذ عاش أكثر من 55% من سكان العالم في مناطق حضرية عام 2018، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى نحو 68% بحلول عام 2050، وفقًا لتقديرات United Nations.

ورغم أن هذا النمو الحضري غير المسبوق يعزز الابتكار والنشاط الاقتصادي، فإنه يضاعف في الوقت ذاته تعرض السكان للضغوط البيئية ويكثّف الأعباء على النظم الحضرية.

وفي هذا السياق، شددت World Health Organization على التحديات المتعددة والمخاطر الجسيمة التي يفرضها تدهور جودة الهواء على الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية وصحة الإنسان.

وبينما تُعد الانبعاثات مثل ثاني أكسيد النيتروجين (NO₂) وثاني أكسيد الكبريت (SO₂) وثاني أكسيد الكربون (CO₂) والأوزون (O₃) من أبرز مسببات تلوث الهواء، تسلط دراسة حديثة الضوء على عامل إضافي غالبًا ما يُهمَل، وهو الغبار الجوي المتراكم فوق المناطق الحضرية، بوصفه مساهمًا مهمًا في التأثيرات الصحية السلبية.

الغبار الجوي

الغبار المعدني والصحة العامة

يُنظر إلى الغبار الجوي، سواء الناتج عن مصادر طبيعية أو أنشطة بشرية، على أنه أقل خطورة مقارنة بملوثات أخرى، غير أن هذا التصور يتجاهل أدلة علمية متزايدة تربط بين استنشاق الغبار المحمول جوًا وتداعيات صحية متعددة.

فعلى مستوى الكتلة، يُعد الغبار ثاني أكثر أنواع الهباء الجوي وفرة عالميًا بعد جسيمات ملح البحر، كما يمثل المكوّن الرئيس للهباء الجوي فوق مساحات قارية واسعة.

الغبار الجوي

وتشير التقديرات إلى أن المصادر الطبيعية، ولا سيما المناطق القاحلة وشبه القاحلة، تطلق سنويًا نحو 4,680 تيراجرامًا (أي ما يعادل 4.68 مليارات طن) من الغبار إلى الغلاف الجوي، ولا يشمل هذا الرقم كامل الكتلة الفعلية للغبار العالق في الجو.

وتسهم العمليات الطبيعية بنحو ثلاثة أرباع الحمل الإجمالي للغبار عالميًا، فيما يرتبط الربع المتبقي بالأنشطة البشرية، خصوصًا في المناطق الحضرية والصناعية، مثل النقل وتطوير البنية التحتية وتغير استخدامات الأراضي وإزالة الغابات والرعي والممارسات الزراعية.

الغبار الجوي

ولإبراز ضخامة هذه الكتلة، فإن كمية الغبار المنبعثة سنويًا تعادل أكثر من 615 ألف مرة وزن Eiffel Tower.

وتختلف جسيمات الغبار في أحجامها بشكل كبير؛ إذ أظهرت تجارب ميدانية واسعة النطاق، باستخدام أجهزة قياس محمولة جوًا، أن أحجام الجسيمات في طبقات الغبار المنقولة بالرياح تتراوح بين أقل من 0.1 ميكرومتر، وهو حجم يقارب حجم فيروس كورونا المستجد، إلى أكثر من 100 ميكرومتر، أي ما يعادل تقريبًا قطر شعرة الإنسان.

الغبار الجوي

الجسيمات الدقيقة.. الخطر الأكبر

تربط الأدلة الوبائية المتراكمة بين الغبار المحمول جوًا ونتائج صحية سلبية متعددة، فبينما يُعتقد أن الجسيمات الخشنة نسبيًا قد تسبب تهيجات جلدية أو حساسية خفيفة حتى مع التعرض الطويل، فإن الجسيمات الدقيقة تمثل تهديدًا أشد خطورة.

فبفضل صغر حجمها، يمكن لهذه الجسيمات اختراق أعماق الرئتين، ما يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، وردود الفعل التحسسية، بل وحتى بعض أنواع السرطان.

كما يواصل العلماء دراسة دور الغبار كناقل محتمل للبكتيريا، في ضوء ارتباطه بتفشي التهاب السحايا في منطقة الساحل الأفريقي.

الغبار الجوي

81 مدينة تحت المجهر

لفهم حجم تعرض سكان المدن للغبار، حللت الدراسة بيانات رصد أرضي مستندة إلى الأقمار الصناعية على مدى أكثر من 15 عامًا، شملت 81 مدينة ومنطقة حضرية كبرى يزيد عدد سكان كل منها على 5 ملايين نسمة.

وأظهرت النتائج، أن الغبار الجوي يمثل خطرًا واضحًا على الصحة العامة في عدد كبير من هذه المدن.

الغبار الجوي

واستنادًا إلى بيانات وتوقعات السكان الصادرة عن الأمم المتحدة، يتعرض نحو 9 من كل 10 من إجمالي 800 مليون نسمة يعيشون في أكبر 81 مدينة لمستويات من الغبار تتجاوز حدود الأمان السنوية الموصى بها.

ويبرز نمط جغرافي واضح، حيث تتركز المدن الأكثر تضررًا في الشرق الأوسط، وشبه القارة الهندية، وشرق آسيا، ومنطقة الساحل.

ورغم أن مستويات الغبار تبدو في تراجع في معظم المدن الكبرى، فإن هذا الاتجاه لا يكون ذا دلالة إحصائية في كثير من الحالات، كما أن الأحمال الإجمالية للغبار لا تزال مرتفعة نسبيًا، ما يعني أن الانخفاض المسجل قد لا ينعكس بالضرورة على تراجع ملموس في المخاطر الصحية.

ومع توقع نمو عدد سكان هذه المدن ليصل إلى أكثر من مليار نسمة بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، سيظل الغبار الجوي تحديًا صحيًا وبيئيًا، حتى وإن تراجعت كثافته نسبيًا، نظرًا لازدياد عدد الأفراد المعرضين له.

الغبار الجوي

من البحث إلى السياسات

استجابةً لتزايد الأدلة العلمية، تعزز دول عدة تشريعات جودة الهواء وتطلق مبادرات وطنية ودولية لمواجهة تحديات الغبار.

ومن بين هذه الجهود مبادرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، بما في ذلك نظام الإنذار والتقييم بالعواصف الرملية والترابية (SDS-WAS)، إضافة إلى برامج تعاون أوروبية مثل DANA وCAMS NCP.

كما اعترف الاتحاد الأوروبي في مراجعته الأخيرة لتوجيه جودة الهواء المحيط بأن الهباء الجوي الطبيعي، مثل الغبار، يمثل خطرًا صحيًا تراكميًا، ما يعكس تحولًا في السياسات نحو مقاربة أكثر شمولًا.

ومع تسارع وتيرة التحضر عالميًا، يصبح التعامل مع جودة الهواء، بما في ذلك الغبار الجوي، ركيزة أساسية لحماية الصحة العامة، وتعزيز مرونة المدن، وضمان مستقبل أكثر استدامة لسكانها.

Exit mobile version