كتب مصطفى شعبان
في المدن الحديثة، لم يعد السؤال عن الأشجار محصورًا في بعدها الجمالي أو البيئي، بل بات مطروحًا بحدة في أسواق العقارات: هل تمنح الأشجار قيمة إضافية للمنازل، أم تتحول إلى عبء يخصم من سعرها؟
الرسالة بسيطة: إذا أردنا أحياء أكثر جمالًا وقيمة، فلنزرع الأشجار حيث تعود بالنفع الأكبر – في الشوارع، وعلى الأرصفة، وفي الحدائق العامة.
دراسة حديثة صادرة عن كلية بامبلين للأعمال بالتعاون مع هيئة الغابات الأمريكية تضع هذه المفارقة تحت المجهر، مقدّمة تحليلًا دقيقًا لكيفية تأثير موقع الأشجار في المدينة على القيمة الاقتصادية للعقارات.
من البيئة إلى الاقتصاد: بيانات تكشف المستور
الدراسة، المنشورة في دورية الاقتصاد البيئي، جمعت بيانات غير مسبوقة من تسع مناطق حضرية أمريكية، شملت سجلات وكالة حماية البيئة وخرائط عمرانية وسجلات بيع العقارات.
وللمرة الأولى، رُبط الغطاء الشجري بمستويات مختلفة من القرب المكاني للعقار: من الأشجار المزروعة داخل حدود المنزل، إلى تلك الممتدة عبر الحي والشارع.
النتيجة الأساسية واضحة
– الأشجار العامة في الشوارع والأحياء ترفع قيمة العقارات بشكل ملموس، إذ تمنح المارة والسكان بيئة أكثر برودة وهدوءًا، وتضفي على الحي مظهرًا متماسكًا يعكس الرعاية والاستقرار.
– الأشجار الخاصة داخل العقار قد تُخفض القيمة، ليس بسبب مظهرها، بل نتيجة التكاليف والمخاطر التي يتحملها المالك وحده: صيانة، تأمين، جذور تُتلف الأرصفة، وفروع قد تسقط في العواصف.
اقتصاديات متباينة: فريسنو مقابل ميلووكي
لكن الأثر لم يكن متساويًا بين المدن، ففي فريسنو، كاليفورنيا، لم يتجاوز تأثير الأشجار على سعر المنزل بضع دولارات صعودًا أو هبوطًا، مما يعكس سوقًا عقاريًا يركز أكثر على كلفة المعيشة والطقس القاسي، حيث تُعتبر الأشجار عبئًا إضافيًا.
على النقيض، في ميلووكي، ويسكونسن، جاءت الأشجار بمثابة استثمار ذهبي.
فالغطاء الشجري القريب يمكن أن يرفع قيمة العقار بنسبة تصل إلى 24%، أي ما يعادل 40 ألف دولار تقريبًا، فيما تضيف الأشجار الأبعد (حتى كيلومتر واحد) نحو 27 ألف دولار أخرى.
هذه المفارقة بين مدينتين أمريكيتين تُظهر أن قيمة الأشجار ليست بيئية فقط، بل اجتماعية واقتصادية أيضًا، وتعتمد على ثقافة السكان وتقديرهم للمساحات الخضراء، وكذلك على مناخ المدينة وظروفها الطبيعية.
السياسة خلف الشجرة
المفارقة الأهم أن معظم الأراضي الحضرية في الولايات المتحدة – كما في معظم مدن العالم – مملوكة ملكية خاصة، بينما تعود فوائد الغطاء الشجري على الجميع.
وهنا يبرز سؤال السياسة العامة: من يدفع تكلفة زرع الشجرة ومن يجني ثمارها؟
يشير الباحثون إلى أن البلديات أمام خيار استراتيجي:
– تشجيع الاستثمار العام في الأشجار، عبر زراعتها في الشوارع، والحدائق العامة، والهوامش الحضرية.
– تقديم حوافز للمالكين لتبني زراعة أنواع مناسبة داخل الأفنية، مع توفير الدعم الفني والصيانة لتقليل الأضرار المحتملة.
فمن دون تدخل عام، تبقى معضلة “المنافع المشتركة مقابل التكاليف الخاصة” قائمة، حيث يتردد المالكون في غرس الأشجار داخل عقاراتهم خوفًا من الخسارة، بينما يخسر الحي بأكمله ما كان يمكن أن يجنيه من فوائد.
البيئة كأصل مالي
هذا التحليل يفتح الباب أمام نقاش أوسع: كيف يمكن تحويل عناصر البيئة إلى أصول اقتصادية تُدار بوعي، وليس مجرد مشاهد طبيعية؟
الأشجار، وفقًا للدراسة، تعادل قيمة مالية ملموسة في السوق.
الغطاء الأخضر بات جزءًا من مؤشرات “قابلية العيش” في المدن، ما يجعله معيارًا جاذبًا للمستثمرين والسكان.
حتى على صعيد السياسات المناخية، توفر الأشجار خدمات مجانية: تخفيض حرارة الأحياء، امتصاص مياه الأمطار، وتحسين جودة الهواء.
وهي وظائف لو تحملتها البلديات ماليًا لكانت بمليارات الدولارات.
بين المواطن والمخطط الحضري
المعادلة إذن ليست تقنية بحتة، بل اجتماعية أيضًا. فالمواطن قد يرى في الشجرة عبئًا على منزله، لكن المخطط الحضري يراها استثمارًا طويل الأمد للمدينة.
وتظل الفجوة بين هذين المنظورين محورًا لصراع السياسات.
الرسالة من الدراسة واضحة: الأشجار قادرة على رفع قيمة الأحياء بشكل حقيقي، لكن بشرط أن تُزرع في المكان المناسب وتُدار بطريقة ذكية.
وهنا يظهر الدور الحيوي للسياسات العامة، التي تستطيع أن توفق بين المصلحة الخاصة والفائدة العامة، وأن تجعل من كل شجرة رصيدًا اقتصاديًا قبل أن تكون مجرد ظل.
لماذا يدفع الناس أكثر؟
يرى الباحثون أن السوق يميز بين منفعة الأشجار المشتركة، التي تعود على الجميع، وبين عبء الأشجار الخاصة الذي يتحمله المالك وحده.
– المنافع العامة: مثل تبريد الأجواء في موجات الحر، وتخفيف ضوضاء المرور، وتحسين جودة الهواء، وتوفير مظهر متماسك يعكس الاهتمام بالحي.
– الأعباء الخاصة: مثل تنظيف أوراق الأشجار المتساقطة، وإزالة الفروع المكسورة، وإصلاح الأرصفة المتشققة، والتعامل مع ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر سقوط الأشجار.
توصيات للسياسات العامة
يشدد الباحثون على أن أغلب الأراضي الحضرية مملوكة للقطاع الخاص، ما يفرض تحديًا أمام زراعة الأشجار باعتبارها بنية تحتية خضراء تخدم المجتمع ككل، ومن ثم يقترحون أن تركز السلطات المحلية على:
- دعم برامج زراعة الأشجار في الشوارع والحدائق العامة.
- تقديم حوافز لأصحاب العقارات لزراعة الأنواع المناسبة في المواقع الملائمة.
- الاستثمار في صيانة الأشجار العامة لضمان سلامتها واستدامة فوائدها.
- تعزيز التوعية المجتمعية بأن الأشجار ليست مجرد ديكور، بل أصل اقتصادي يرفع من قيمة الأحياء.
خاتمة
الأشجار ليست مجرد “ديكور طبيعي” في المشهد الحضري، إنها أصل اقتصادي، بطاقة خضراء يمكن أن ترفع قيمة المدن وتُعيد تشكيل أسواق العقارات. لكن قيمتها تعتمد على أين تُزرع، وكيف تُدار، ومن يتحمل تكاليفها.
بمعنى آخر: كل شجرة في المدينة تحمل رقمًا في السوق العقاري، لكن هذا الرقم يتغير بحسب موقعها وظروفها.
