د.عاطف معتمد: السادات والجغرافيا .. عبقرية الحرب وسط جدل السياسة المصرية

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

سيظل اسم عبد الناصر والسادات في تحليل حاضر مصر ومستقبلها 100 سنة أخرى على الأقل،
والسبب هنا لا علاقة له بأفضلية على بقية رؤساء مصر في التاريخ الحديث والمعاصر بل بتأثير الجغرافيا العسكرية في مقابل السياسية الداخلية.
بعض زعماء الدول يرتكبون أخطاء أو يحققون نجاحات تغير في الجغرافيا بسبب السياسة (ومن هنا الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك)، وبالتالي تتغير مصائر الشعوب.
لدى عبد الناصر حزمة من القرارات الملهمة العظيمة وحزمة من التداعيات الانتكاسية، لن تنسى الأجيال القادمة مجد ناصر 56 ولن تنسى أحلام القومية العربية والسد العالي والتعليم والاشتراكية، كما لن تنسى أيضا أخطاء هزيمة 1967 التي غيرت وما تزال في حاضر مصر ومستقبلها.
في حالة السادات لدينا أغلبية ناقدة وأقلية منصفة، سهام الأغلبية تتجه بهجوم كاسح أرض/ جو .
بعض الهجوم عنصري تنمري، ينال من الشكل واللون وطريقة الكلام والسلوك المسرحي. وقد زرع هذا المنهج في كتابه “خريف الغضب” الأستاذ هيكل.
وبعض الهجوم بنيوي خطير يضع الرجل في مصاف الذين خانوا مصر والعالم العربي وسلموا المنطقة للأمريكان.
بعض الهجوم يضع صعود الإسلامي السياسي في مصر وبيع القطاع العام والاستسلام أمام إسرائيل في رقبة السادات، وبالتالي يرجعون مشاكل مصر المعاصرة إلى هذه الفترة.
إذا عقدت ندوة اليوم في مصر بين كبار المثقفين (بالأحرى من بقي منهم) ستجد ساحة مشتعلة في تقييم الرجل بين مختلف التيارات…ولن ينتهي ذلك قريبا.
السادات وقادة القيادة العسكرية في غرفة عمليات حرب أكتوبر 1997

سادات الجغرافيا

لكن السادات الذي لم يأخذ حقه في التقييم هو سادات الجغرافيا.
إن الرجل الذي استطاع في أقل من 6 سنوات بعد هزيمة يونيه 1967 أن يشن حربا على الاحتلال الإسرائيلي في سيناء هو رجل عظيم في الجغرافيا والحرب. وتكمن عظمته في خطوتين على الأقل:
– استكمال ما بدأ في حرب الاستنزاف منذ عهد ناصر من جهة.
– الصمود على خطة محنكة محكمة لا يتقنها سوى رجل بصفاته المغامرة الجريئة أدت في النهاية إلى المفاجأة المدهشة بقرار خوض الحرب واقتحام سيناء وتحمل التخويف المرعب من مقتل عشرات آلاف الجنود المصريين في محرقة النابالم وقهر الخوف من ناحية ثانية.
من المعلومات المدرسية المتفق عليها أن سنوات عبد الناصر الأخيرة هي الأب الشرعي الذي مهد لنصر 1973 ومن دونها لم يكن بوسع السادات أن يكمل خطته بالنصر والحرب.
وكما نعرف فإن جيش عبد الناصر حطم خط بارليف “الأول”.. بينما حطم جيش السادات خط بارليف “الثاني”. لكن شتان الفارق بين بارليف الأول البسيط البدائي وبارليف الثاني بالغ التسليح محصن التدشين.

الجغرافيا العسكرية

يوجه بعض النقاد للسادات تهم الخيانة لأنه سافر إلى القدس ورسم سلاما مع إسرائيل، لكن هل توقفنا قليلا عند ما حدث في الجغرافيا العسكرية؟
لقد بدأت خطة حرب أكتوبر بهجوم مشترك بين مصر وسوريا تشن فيه سوريا هجومها على الجولان وتشن فيه مصر هجوما على سيناء. الاتفاق بين حافظ الأسد والسادات (برعاية سوفيتية) أن يستمر الهجوم المصري إلى خط المضايق ولا يكتفي بعبور القناة.
في مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي -وهو قائد عسكري مخلص وناقد خطير للسادات- يؤكد أن الجيش المصري استعد للقتال في حرب أكتوبر وكافة القادة -ومنهم الشاذلي- على معرفة بأنهم من البداية لن يطوروا الهجوم إلى خط المضايق وأن أقصى طموحهم هو عبور خط القناة.
لم يعترض الشاذلي بأن في ذلك خيانة للاتفاق مع سوريا، كان الشاذلي يعرف أن الهجوم إلى المضايق يهدد قدرات مصر العسكرية وقتها. لكنه وافق السادات على الخطة لأن هذا هو الممكن الوحيد رغم أن الاتفاق مع الأشقاء في سوريا كان بأن يستمر الهجوم إلى المضايق.
وحين وقعت ثغرة الدفرسوار في 16 أكتوبر وتوغل شارون ومعه قوة إسرائيلية غرب القناة طلب الشاذلي عبور القوات للجبهة الغربية للقناة فرفض السادات رفضا حاسما بأنه لن يسحب جنديا واحدا من الضفة الشرقية.
وحين شاركت هذه السطور العام الماضي في نفس الذكرى، تفضل الأستاذ محمد السطوحي بتعليق على المقال قال فيه “يجب أن تصحح ما كتبت يادكتور، فالشاذلي طلب نقل “قوات” من الضفة الشرقية وليس “القوات” من الضفة الشرقية”.
وقد كتبت في مقال العام الماضي إنه رغم هجوم الشاذلي ونقده، إلا أن هذا القائد الميداني العظيم اتفق مع السادات في الرأي السليم من البداية بعدم تطوير الهجوم شرقا، لولا أن السادات أمر لاحقا بتطوير الهجوم إلى المضايق فأوقعنا في خسائر كبيرة أهمها الثغرة ذاتها.

خطأ تطوير الهجوم

لقد وقع السادات في خطأ تطوير الهجوم وهو يعرف الخسائر الكاملة، ولم يفعل ذلك إلا لنفي تهمة الخيانة أمام سوريا التي صرخت عبر الاتحاد السوفيتي بأنها تتعرض للهجوم الإسرائيلي المكثف في الجولان بعد أن توقف الجيش المصري شرق القنال في سيناء.
غامر السادات ليرضي موسكو ودمشق بتطوير الهجوم ليخسر جزءا مهما من جيشه ويكسب موقفا سياسيا نافيا عن نفسه تهمة استغلال سوريا لتحقيق نصر على أرض سيناء وخسارة سوريا أرض الجولان.
توقفت الحرب …لم تستطع سوريا تحرير الجولان …ولم تكسب مصر سوى شطر من أرض سيناء وفرقة شارون متوغلة في غرب السويس.. اضطر السادات لاستكمال مشواره بالسلام لاستكمال استرداد الأرض عبر كامب ديفيد…وجهت للسادات تهمة الخيانة !

جمال حمدان يحلل حرب أكتوبر 1973

تعالَ نقرأ جمال حمدان وهو يحلل حرب أكتوبر 1973، وهي بعد طازجة لم يمر عليها سوى سنة أشهر، كيف يصف القيادة العسكرية والرئيس السادات بتحقيق المعجزة ويمدح العبقرية التي قادت السادات وجيشه لخلق معجزة عالمية لا تدانيها أية معجزة منذ الحرب العالمية الثانية!
لكن حمدان سينضم لاحقا إلى جيل الناقدين الكبار ويصف عصر السادات كله بأنه “العصر الأسوداتي”
لم يكن لدى حمدان وغيره نقد حقيقي لنتائج معركة أكتوبر التي عد النجاح فيها أقصى ما يمكن تحقيقه.
ظهر النقد للسادات فيما قام به بعد الحرب واتفاقية السلام.
في نسخة العام الماضي من هذا المقال عقب السيد اللواء علاء سويلم بتسجيل نقده بقوله:
“معالي الأستاذ..سيادتك واعذرني محتاج تقرأ كتير قبل أن تكتب عن فترة ما زال بعض صناعها على قيد الحياة، سأكتب لك هنا ٣ ملاحظات فقط :
(1) كانت هناك خرائط عمليات مصرية سلمت لنا مع عدد من القادة غير ما سلم لسوريا. وقد رفضت كل القيادات الحجة المعلنة لتطوير الهجوم رفضا كاملا تحت بند معاونه سوريا.
(2) أنت في حاجة لأن تقرأ يوميات الحرب ووقائعها علي الجبهتين وستعرف أن جبهة سورية يوم 13 أكتوبر كانت عادية ولا خروقات تستدعي حث مصر علي التطوير”.
(3) لعلمك وربما تتفاجئ: كان فيه وحدات مخصصة ومنتقاة من وحدات الجيشين وجاهزة لمقابلة أي اختراق للعدو، ومستعدة لتنفيذ مهمة صد الاختراق تاركة وحداتها الأصلية أيا كانت شرقا أو غربا…وآخر تدريب لها كان يوليو واغسطس 1973″..لكن لم يتم تنفيذ هذه الخطة !
في مقال العام الماضي عقب الأستاذ الفاضل مصطفى السعيد بقوله:
” كلامك تلاعب بالتاريخ، ويبرر جريمة السادات الكبرى في حرب أكتوبر، لأن معارفه العسكرية كانت محدودة وقديمة، وليس من صلاحياته التدخل في سير المعارك – تبرير الإجرام جريمة”.
في مقال العام الماضي تفضل أيضا الأستاذ طاهر عبد الرحمن بتعليق جاء فيه ” السادات ربح الجغرافيا الطبيعية وخسر الجغرافيا السياسية.. وهذا كان هدفه الأول.”
ها نحن في ذكرى عام 2025 من نصر أكتوبر، سأختم بما ختمت به مقال العام الماضي دون تغيير وسأقول نفس السطور:
نحن في حاجة إلى فهم كامل لسادات الجغرافيا الذي يرد ذكره كثيرا في كتب الجغرافيا السياسية والطبوغرافية العسكرية.
إن سادات الجغرافيا أكثر تعقيدا وثراء ومراوغة وصدمة وتنوعا مما يعرفه الناس عن الصورة الكاريكاتورية التي يرسمها عنه خصومه من الذين يغرفون عميقا من السلوك السياسي ويقنعون بقليل من المعارف الجغرافية”.
Exit mobile version