كشفت دراسة علمية حديثة أن انتشار الزراعة في أوروبا القديمة أدى إلى زيادة التنوع النباتي، على عكس ما يحدث اليوم، حيث تسببت الزراعة الحديثة في تراجع حاد لهذا التنوع.
واعتمد الباحثون على تحليل حبوب اللقاح المحفوظة في رواسب بحيرات سويسرية، لتتبع التغيرات البيئية على مدار نحو 7 آلاف عام. وأظهرت النتائج أن الأراضي أصبحت أكثر غنىً بالأنواع النباتية مع توسع النشاط الزراعي القديم.
غير أن هذا الاتجاه انعكس بشكل حاد بعد الحرب العالمية الثانية، مع ظهور الزراعة الصناعية المكثفة، حيث شهد التنوع النباتي انهيارًا ملحوظًا.
وتشير هذه النتائج إلى أن التراجع الحالي قد لا يكون دائمًا، إذ أظهرت البيانات أن التنوع كان يتعافى كلما عادت المجتمعات إلى أنماط زراعة صغيرة ومتنوعة.
نُشرت الدراسة في دورية “Nature Communications”، حيث استندت إلى عينات من ثلاث بحيرات تقع في الهضبة السويسرية، وهي منطقة زراعية خصبة شمال جبال الألب.
وقد تراكمت في قاع هذه البحيرات طبقات من الطمي عبر آلاف السنين، احتوت على حبوب لقاح نباتية تعكس تاريخ الغطاء النباتي.
وقام الباحثون بتحليل أكثر من 2000 عينة، مع تأريخها باستخدام أكثر من 220 قياسًا بالكربون المشع، ما أتاح تتبع التغيرات بدقة زمنية عالية تصل إلى مستوى العقود.
وقبل ظهور الزراعة، كانت الأراضي مغطاة بغابات كثيفة متجانسة نسبيًا. لكن مع وصول المزارعين الأوائل خلال العصر الحجري الحديث، بدأت هذه الغابات تتفكك إلى مساحات متنوعة تشمل الحقول والمراعي والبساتين.
وأدى هذا التنوع في استخدام الأراضي إلى خلق بيئات مختلفة تدعم أنواعًا نباتية متعددة، ما ساهم في زيادة التنوع البيولوجي بشكل واضح.
وأظهرت الدراسة أن النشاط البشري، وليس التغير المناخي، كان العامل الرئيسي في تشكيل التنوع النباتي خلال تلك الفترات، رغم انخفاض درجات الحرارة تدريجيًا آنذاك.
لكن هذا التوازن لم يكن دائمًا؛ فقد شهد التنوع النباتي تراجعًا حادًا خلال فترات الأزمات، مثل انهيار الإمبراطورية الرومانية وانتشار الطاعون الأسود، حيث تراجعت الأنشطة الزراعية وعادت الغابات للتمدد.
ومع ذلك، كان التنوع يتعافى مجددًا بمجرد عودة النشاط الزراعي، وبمعدلات مماثلة لفترات التراجع.
وبلغ التنوع النباتي ذروته خلال العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، حين كانت الزراعة تعتمد على مزارع صغيرة ومتنوعة تضم محاصيل متعددة وأشجارًا مثمرة ومراعي طبيعية.
غير أن هذا النمط تغيّر جذريًا بعد الحرب العالمية الثانية، مع دخول الآلات الزراعية، واستخدام الأسمدة الكيميائية، وتوسيع الحقول، ما أدى إلى تقليل التنوع البيئي.
وساهمت هذه الممارسات، إلى جانب استخدام مبيدات الأعشاب وتجفيف الأراضي الرطبة وإزالة التحوطات النباتية، في تراجع سريع للتنوع النباتي، بمعدلات مماثلة للانخفاض الذي حدث خلال فترات تاريخية كارثية.
اليوم، تشير البيانات إلى أن مستويات التنوع النباتي باتت قريبة مما كانت عليه خلال فترات الأوبئة الكبرى.
ورغم ذلك، تقدم الدراسة بصيص أمل؛ إذ تؤكد أن العودة إلى أنماط الزراعة المتنوعة منخفضة الكثافة يمكن أن تعيد التوازن البيئي خلال عقود.
كما توضح أن التأثير البشري على الطبيعة ليس دائمًا سلبيًا، بل يمكن أن يكون عاملًا داعمًا للتنوع البيولوجي إذا ما أُديرت الأنشطة الزراعية بشكل مستدام.
