الذهب يقفز إلى 6325 جنيهًا والدولار فوق 56 جنيهًا.. ماذا يحدث في سوق المال المصرية؟

فجوة تسعير الذهب تقترب من 40 جنيهًا للجرام.. مفارقة الاقتصاد المصري.. احتياطي قياسي وتحويلات مرتفعة مقابل ضغوط الدولار وخروج الأموال الساخنة

شهدت الأسواق المصرية تحركات متباينة في مؤشرات النقد الأجنبي والذهب، مع ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات تتجاوز 56 جنيهًا في البنوك، وصعود جرام الذهب عيار 21 إلى 6325 جنيهًا، بالتزامن مع تراجع تدفقات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية، في مقابل استمرار ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي وتحقيق تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستويات قياسية.

وتعكس هذه التطورات تداخل عدة عوامل في تحديد اتجاهات السوق المحلية، أبرزها تحركات الدولار عالميًا ومحليًا، وأداء الذهب في الأسواق الدولية، وتدفقات الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، إلى جانب مصادر النقد الأجنبي المستدامة نسبيًا، مثل تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة والصادرات.

الذهب في مصر يرتفع مع تعافي الأونصة عالميًا

ارتفع سعر الذهب في مصر خلال تعاملات الاثنين 26 أكتوبر، بعدما صعد جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا في السوق المحلية، إلى 6325 جنيهًا، بزيادة قدرها 25 جنيهًا، بالتزامن مع تعافي الأونصة عالميًا فوق مستوى 4 آلاف دولار، وارتفاع الدولار أمام الجنيه المصري، وفقًا للبيانات الواردة عن منصة «آي صاغة» لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت.

وسجل جرام الذهب عيار 24 نحو 7228 جنيهًا، وعيار 18 نحو 5421 جنيهًا، فيما بلغ سعر الجنيه الذهب نحو 50.6 ألف جنيه، بالتزامن مع وصول الأونصة العالمية إلى نحو 4011 دولارًا.

وقال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، إن ارتفاع الذهب في السوق المصرية يعكس تأثير عاملين أساسيين في معادلة التسعير، هما حركة الأونصة عالميًا وسعر صرف الدولار أمام الجنيه، موضحًا أن ارتفاع العاملين معًا يوفر دعمًا إضافيًا للأسعار المحلية.

وجاء التعافي العالمي للذهب وسط ترقب الأسواق لتطورات التضخم وأسعار النفط ومسار أسعار الفائدة الأمريكية، في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية التي تدعم الطلب على المعدن النفيس باعتباره ملاذًا آمنًا، مقابل الضغوط المحتملة الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة ومخاوف استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة.

وبالتزامن مع صعود الدولار، بلغت القيمة النظرية لغرام الذهب عيار 21 نحو 6285 جنيهًا، وفقًا للحسابات الواردة في التقرير، قبل احتساب المصنعية وأي فروق تسعير أخرى، ما يشير إلى وجود فجوة تسعير موجبة تقترب من 40 جنيهًا للغرام بين السعر المحلي والقيمة النظرية المحسوبة وفق سعر الأونصة وسعر الصرف.

الدولار يتجاوز 56 جنيهًا في البنوك المصرية

على صعيد سوق الصرف، سجل الدولار الأمريكي تقلبات محدودة خلال تعاملات الثلاثاء 27 أكتوبر، مع ارتفاعه في عدد من البنوك وتراجعه في أخرى، لكنه استقر عند مستويات تتجاوز 56 جنيهًا، في ظل استمرار الضغوط على الجنيه المصري.

وبحسب بيانات التداول المنشورة، سجل الدولار في بعض البنوك، من بينها مصرف أبوظبي الإسلامي وبنك قناة السويس وبنك «إتش إس بي سي» وبنك قطر الوطني والبنك الأهلي الكويتي، نحو 56.25 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع.

وفي المقابل، بلغ سعر الدولار لدى البنك العقاري المصري العربي نحو 56.15 جنيه للشراء و56.25 جنيه للبيع، فيما سجل لدى البنك الأهلي المصري نحو 56.18 جنيه للشراء و56.28 جنيه للبيع، وفقًا للأسعار الواردة في التقرير.

وسجل سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري نحو 56.21 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع، بما يعكس استمرار العملة الأمريكية عند مستويات مرتفعة في السوق المحلية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تترقب فيه الأسواق اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، المقرر عقده في 29 أكتوبر، وسط متابعة لمسار التضخم وأسعار الفائدة والتطورات الاقتصادية المحلية والإقليمية.

خروج الأموال الساخنة يضغط على سوق الصرف

تزامن ارتفاع الدولار مع تسجيل تعاملات المستثمرين العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري صافي بيع بلغ 663 مليون دولار خلال تعاملات الاثنين، وفقًا لبيانات البورصة المصرية.

كما سجلت تعاملات المستثمرين العرب والأجانب صافي بيع بنحو 1.9 مليار دولار خلال الأسبوع السابق، في مؤشر على عودة الضغوط المرتبطة بخروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل من أدوات الدين المصرية.

وجاءت هذه التحركات بعد تسجيل صافي شراء بقيمة 328.5 مليون دولار خلال أحد الأسبوعين السابقين، وصافي شراء بنحو 1.2 مليار دولار خلال الأسبوع الذي سبقه، ما يعكس تقلبات تدفقات المستثمرين الأجانب بين الدخول والخروج من السوق المحلية.

وخلال سبتمبر الماضي، سجلت تعاملات العرب والأجانب صافي شراء بقيمة 702 مليون دولار، توزعت بين صافي شراء للعرب بلغ 1.528 مليار دولار، وصافي بيع للأجانب قدره 826.5 مليون دولار.

وتكتسب هذه التدفقات أهمية خاصة بالنسبة إلى سوق الصرف، لأن خروج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المحلية قد يزيد الطلب على العملات الأجنبية لتحويل حصيلة الاستثمارات إلى الخارج، وهو ما يضيف ضغوطًا على الجنيه، خصوصًا عندما يتزامن مع احتياجات الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية.

احتياطي النقد الأجنبي يسجل مستوى قياسيًا

في المقابل، واصل احتياطي النقد الأجنبي المصري ارتفاعه، ليسجل نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، بزيادة تقارب 134 مليون دولار مقارنة بنهاية أغسطس، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.

وكان الاحتياطي قد سجل نحو 57.22 مليار دولار بنهاية أغسطس، مقارنة بنحو 56.3 مليار دولار في يوليو الماضي، مواصلًا اتجاهه الصعودي.

ويعكس ارتفاع الاحتياطي تحسن قدرة البنك المركزي على الاحتفاظ بأصول أجنبية تدعم الوفاء بالالتزامات الخارجية وتعزز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات، لكنه لا يعني بالضرورة استقرار سعر الصرف أو غياب الضغوط على الجنيه، إذ تتأثر حركة العملة أيضًا بالعرض والطلب على الدولار وتدفقات رؤوس الأموال وحجم الاحتياجات التمويلية.

وتشمل مصادر النقد الأجنبي في مصر تحويلات العاملين بالخارج وإيرادات السياحة والصادرات وإيرادات قناة السويس، إلى جانب التدفقات الاستثمارية ومصادر التمويل الأخرى.

تحويلات المصريين بالخارج تقفز إلى 47.3 مليار دولار

سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستويات قياسية خلال العام المالي 2025-2026، بعدما ارتفعت إلى نحو 47.3 مليار دولار، مقارنة بنحو 36.5 مليار دولار خلال العام المالي 2024-2025، بمعدل نمو بلغ 29.6%، وفقًا للبيانات المعلنة.

كما ارتفعت التحويلات خلال أول 8 أشهر من عام 2026 بنسبة 27.2%، لتصل إلى نحو 33.9 مليار دولار، مقابل نحو 26.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.

وخلال أغسطس 2026 وحده، ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 21.7%، لتصل إلى نحو 4.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 3.5 مليار دولار خلال أغسطس 2025، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.

وعلى مستوى العام الميلادي، سجلت التحويلات خلال عام 2025 نحو 41.5 مليار دولار، بزيادة بلغت 40.5% مقارنة بنحو 29.6 مليار دولار خلال عام 2024.

وتشكل هذه التحويلات أحد أهم مصادر تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر، لما توفره من موارد بالعملات الأجنبية يمكن أن تسهم في دعم ميزان المدفوعات وتلبية احتياجات الاقتصاد، وإن كان تأثيرها على سعر الصرف يتوقف أيضًا على الطلب الإجمالي على العملات الأجنبية وحركة التدفقات الأخرى.

مفارقة الأسواق المصرية.. احتياطي مرتفع وضغوط على الجنيه

تكشف المؤشرات مجتمعة عن مفارقة في أداء الاقتصاد المصري؛ فبينما يواصل احتياطي النقد الأجنبي الارتفاع وتحقق تحويلات المصريين بالخارج مستويات قياسية، يظل الجنيه تحت ضغط ارتفاع الدولار وخروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل من أدوات الدين الحكومية.

وفي الوقت نفسه، يستفيد الذهب محليًا من ارتفاع الأونصة العالمية وصعود الدولار، ما ينعكس على الأسعار التي يتحملها المستهلكون في السوق المصرية.

وتتوقف اتجاهات الفترة المقبلة على تطورات أسعار الفائدة الأمريكية والمصرية، ومسار التضخم وأسعار الطاقة، وحركة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، وقدرة مصادر النقد الأجنبي الأخرى على دعم السيولة الدولارية.

وبينما يوفر ارتفاع الاحتياطي والتحويلات الخارجية دعمًا مهمًا للمركز الخارجي للاقتصاد المصري، فإن استمرار الضغوط على سوق الصرف قد يبقي أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة، ويزيد أهمية متابعة الفجوة بين الأسعار المحلية والقيم النظرية للمعدن النفيس.

↑
Exit mobile version