أخطاء علمية عمرها 100 عام تحت المجهر.. كيف كشفها الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي يفتش في دفاتر العلم القديمة.. أخطاء عمرها عقود تظهر من جديد

لم تعد قدرات الذكاء الاصطناعي في المجال العلمي تقتصر على تلخيص الأبحاث أو تحليل البيانات أو اقتراح فرضيات جديدة، بل بدأ يدخل إلى منطقة أكثر حساسية: مراجعة المعرفة العلمية المتراكمة، والبحث عن أخطاء ظلت لسنوات أو حتى عقود تتناقلها الأبحاث وقواعد البيانات باعتبارها حقائق ثابتة.

وفي تطور لافت، تمكنت أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي من اكتشاف أخطاء في أوراق بحثية قديمة وقواعد بيانات علمية مرجعية، بينها قيم كيميائية ظلت مستخدمة لعقود، قبل أن تكشف المقارنة مع المصادر الأصلية أنها غير صحيحة.

وتفتح هذه التطورات بابًا واسعًا أمام سؤال مهم: إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على اكتشاف أخطاء ظلت مختبئة داخل الأدبيات العلمية لعشرات السنين، فكم من المعلومات التي نعتبرها اليوم «حقائق» تحتاج إلى مراجعة جديدة؟

خطأ عمره 75 عامًا في قاعدة بيانات كيميائية

من أبرز الأمثلة حالة عالم الكيمياء النظرية سيباستيان بيوس، من مختبر تشجيانج في مدينة هانجتشو الصينية.

كان بيوس يستخدم نظامًا للذكاء الاصطناعي للتنبؤ بدرجات غليان عدد من الجزيئات، عندما لاحظ أن بعض القيم التي ينتجها النموذج تتعارض مع أرقام معروفة منذ فترة طويلة ومدرجة في قاعدة بيانات مرجعية عمرها نحو 75 عامًا.

في البداية، افترض الباحث أن المشكلة في نموذج الذكاء الاصطناعي، لكن عندما عاد إلى الأدبيات العلمية الأصلية وفحص القياسات والمصادر القديمة يدويًا، اكتشف مفاجأة: الأرقام الموجودة في قاعدة البيانات المرجعية كانت هي الخاطئة، وليس نموذج الذكاء الاصطناعي.

ولم تكن هذه الحالة الوحيدة، ففي حالتين أخريين، تمكن النظام من لفت انتباه الباحث إلى أخطاء موجودة في أوراق علمية وكتب مرجعية قديمة، قبل أن يتأكد من وجود الخطأ بالرجوع إلى المصادر الأصلية.

وكان أحد الأخطاء عبارة عن خطأ مطبعي في ورقة علمية، بينما تمثلت الحالة الأخرى في قيم غير صحيحة لقياسات لدرجات الغليان تعود إلى نحو قرن مضى.

وقد تبدو هذه الأخطاء بسيطة للوهلة الأولى، لكنها قد تصبح مشكلة حقيقية عندما تنتقل من كتاب أو ورقة إلى قاعدة بيانات، ثم تستخدمها أجيال متعاقبة من الباحثين في حساباتهم وتجاربهم ونماذجهم العلمية.

الذكاء الاصطناعي يفتش في دفاتر العلم القديمة

كيف يمكن لخطأ صغير أن يتحول إلى مشكلة كبيرة؟

العلم الحديث يقوم بدرجة كبيرة على البناء فوق المعرفة السابقة، فالباحث لا يبدأ عادة من الصفر، وإنما يستخدم نتائج منشورة سابقًا، ويستند إلى قيم موجودة في قواعد البيانات، ويعيد استخدام معادلات وقياسات ونماذج طورتها أبحاث سابقة.

وبالتالي، فإن وجود خطأ في «أساس» معرفي قد يؤدي إلى انتقال الخطأ إلى أبحاث لاحقة، وهذا هو أحد المخاوف التي يطرحها الباحثون مع اكتشاف أخطاء قديمة.

فإذا كانت قيمة كيميائية غير صحيحة قد دخلت إلى قاعدة بيانات موثوقة، فقد يستخدمها الباحثون لعقود دون أن يشكوا فيها، خصوصًا إذا لم يكن هناك سبب واضح يدفعهم إلى العودة إلى القياس الأصلي.

وهنا تظهر إحدى أبرز مزايا الذكاء الاصطناعي: القدرة على إعادة فحص كميات ضخمة من الأدبيات العلمية بسرعة تفوق بكثير قدرة الباحث البشري الفرد.

الذكاء الاصطناعي يراجع أبحاث الذكاء الاصطناعي

لم تتوقف التجارب عند الكيمياء، ففي تحليل نشره باحثون من شركة SAI Labs، استخدم فريق من الباحثين وكلاء ذكاء اصطناعي لفحص 168 ورقة بحثية اختيرت لتقديمها شفهيًا في المؤتمر الدولي للتعلم الآلي ICML 2026.

لم يكتف وكلاء الذكاء الاصطناعي بقراءة الأوراق، بل حاولوا استخراج الادعاءات الرئيسية للباحثين، وتنزيل الموارد والبيانات المصاحبة، وإعادة تشغيل التجارب عندما كان ذلك ممكنًا، ثم مقارنة النتائج التي حصلوا عليها بما أعلنه أصحاب الأوراق.

وكانت النتائج كاشفة عن حجم التحدي، ومن بين 92 ورقة كان لديها خمسة ادعاءات على الأقل يمكن تقييمها، تمكن وكلاء الذكاء الاصطناعي من إعادة إنتاج أكثر من ادعاءين من أصل خمسة في 34 ورقة فقط.

أما الأوراق التي نجح فيها النظام في تكرار أكثر من 80% من الادعاءات، فلم يتجاوز عددها ثماني أوراق.

وهذا لا يعني بالضرورة أن بقية الأبحاث خاطئة؛ فعدم قدرة النظام على إعادة إنتاج نتيجة لا يثبت تلقائيًا خطأ البحث الأصلي، لكن النتيجة تكشف مدى صعوبة التحقق الآلي الكامل من نتائج الأبحاث العلمية.

أخطاء الأبحاث المنشورة تتزايد

وفي دراسة أخرى، استخدم جيمس زو، عالم الكمبيوتر في جامعة ستانفورد، وزملاؤه أداة للذكاء الاصطناعي لفحص أبحاث منشورة في مؤتمر NeurIPS، وهو أحد أبرز المؤتمرات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.

ووجد التحليل ارتفاعًا في عدد الأخطاء التي اكتشفتها الأداة، من 3.8 أخطاء لكل ورقة في المتوسط عام 2021 إلى 5.9 عام 2025، بزيادة بلغت نحو 55%.

وركز الباحثون على الأخطاء الموضوعية القابلة للتحقق، مثل الأخطاء في المعادلات والحسابات والأشكال، ولم يدخلوا في تقييمات أكثر ذاتية مثل تفسير البيانات أو مدى أصالة الفكرة العلمية.

وهذا التفريق مهم للغاية، فقد يكون من الممكن أن يكتشف الذكاء الاصطناعي بسهولة أن عملية حسابية تحتوي على خطأ، لكن الحكم على ما إذا كانت نظرية جديدة «مهمة» أو «مبتكرة» يظل أكثر تعقيدًا.

لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بكل شيء؟

يرى باحثون أن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتولى جميع مراحل الحكم على البحث العلمي.

فالأداة قد تكون ممتازة في اكتشاف خطأ في معادلة أو رقم أو شكل بياني، لكنها قد تواجه صعوبة في فهم الافتراضات الخفية التي يقوم عليها البحث أو السياق العلمي الكامل للنتيجة، والأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يخطئ.

ويشير باحثون إلى أن أدوات التدقيق الآلي قد تضع علامة تحذير على نتيجة صحيحة، باعتبارها خطأ، وهو ما يعرف بالـfalse positive.

وقد يؤدي الاعتماد غير المشروط على هذه الأدوات إلى مشكلة معاكسة: فبدل أن يساعد الذكاء الاصطناعي العلماء على اكتشاف الأخطاء، قد يدفعهم إلى التشكيك في نتائج صحيحة.

35% من الباحثين اكتشفوا أخطاء باستخدام الذكاء الاصطناعي

لكن رغم هذه المخاطر، بدأ بعض العلماء بالفعل في استخدام أدوات التدقيق المدعومة بالذكاء الاصطناعي كـ«عين ثانية» قبل إرسال أبحاثهم إلى المؤتمرات أو المجلات.

وفي استطلاع شمل 733 باحثًا قدموا أبحاثًا إلى مؤتمر ICML عام 2026، قال 35% إن أداة Paper Assistant التابعة لجوجل اكتشفت أخطاء في أعمالهم.

وقال 31% إن الملاحظات التي قدمتها الأداة دفعتهم إلى إجراء تجارب جديدة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيدًا ليس فقط في العثور على أخطاء موجودة بالفعل، وإنما أيضًا في دفع الباحث إلى اختبار افتراضاته بصورة أكثر صرامة قبل نشر النتائج.

«عين ثانية» وليست حكمًا نهائيًا

يصف بعض الباحثين أدوات الذكاء الاصطناعي بأنها تشبه الحصول على «زوج ثانٍ من العيون» لمراجعة البحث.

ويمكن لهذه الأدوات أن تكون مفيدة بصورة خاصة في اكتشاف الأخطاء الصغيرة التي قد يفوتها الباحث بعد العمل على البحث لفترة طويلة، لكن الخبراء يحذرون من التعامل مع نتائجها باعتبارها أحكامًا نهائية.

فقد يكتشف النظام خطأً حقيقيًا، لكنه قد يخطئ أيضًا في اتهام نتيجة صحيحة بأنها غير صحيحة.

ولهذا فإن القاعدة الأكثر أمانًا في الوقت الحالي هي: الذكاء الاصطناعي يلفت الانتباه إلى المشكلة، والإنسان يتحقق منها.

نموذج ذكاء اصطناعي اكتشف خُمس الأخطاء فقط

وتزداد الحاجة إلى الحذر عندما نعرف أن أفضل النماذج لا تكتشف جميع الأخطاء.

ففي دراسة أولية نشرت في مايو، وجد الباحثون أن أفضل نموذج ذكاء اصطناعي لم يتمكن من اكتشاف سوى نحو خُمس الأخطاء الموجودة في أبحاث علمية سبق أن حددها محكمون بشريون.

وفي الوقت نفسه، أنتج النموذج أيضًا إنذارات خاطئة، وهذا يعني أن استخدام الذكاء الاصطناعي كبديل كامل للمراجعين البشريين لا يزال بعيدًا عن أن يكون آمنًا.

ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي هو صاحب القرار؟

هنا تظهر المشكلة الأكبر، إذا استخدم الباحث أداة ذكاء اصطناعي لمراجعة بحثه قبل النشر، فإن الخطأ يمكن تصحيحه بسهولة نسبيًا؛ إذ يستطيع الباحث العودة إلى الأدلة والتحقق بنفسه.

لكن ماذا يحدث إذا أصبحت نتائج هذه الأدوات جزءًا مباشرًا من قرارات النشر أو الترقية أو التمويل أو تقييم الباحثين؟

في هذه الحالة، قد يتحول الخطأ الذي ترتكبه الآلة إلى قرار مؤسسي، وقد يؤدي اتهام بحث صحيح بالخطأ إلى رفضه أو تأخير نشره، بينما قد تمر مشكلة حقيقية إذا لم تكتشفها الخوارزمية.

ولهذا يرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون في الوقت الحالي أداة مساعدة وليس قاضيًا نهائيًا على العلم.

مشروع لاختبار «المفتشين» أنفسهم

ومع انتشار هذه الأدوات، ظهرت مبادرات لاختبار مدى موثوقيتها، ومن بينها Black Spatula Project، الذي يعمل متطوعوه على اختبار نماذج الذكاء الاصطناعي والتعليمات الموجهة إليها باستخدام أوراق علمية تحتوي بالفعل على أخطاء معروفة.

ثم يعرضون النتائج على علماء متخصصين لتقييم ما إذا كانت الأخطاء التي اكتشفها الذكاء الاصطناعي حقيقية بالفعل.

ولا يزال المشروع يجمع الأدلة اللازمة لتحديد مدى موثوقية هذه الأنظمة.

وهذه الخطوة مهمة؛ لأن السؤال لم يعد فقط: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف أخطاء العلماء؟

بل أصبح: من يراجع الذكاء الاصطناعي عندما يخطئ في مراجعة العلماء؟

ثورة هادئة في مراجعة المعرفة العلمية

قد تكون القيمة الأكبر للذكاء الاصطناعي في هذا المجال ليست في استبدال المحكمين والعلماء، وإنما في توسيع نطاق التدقيق العلمي إلى مستوى لم يكن ممكنًا بشريًا من قبل.

فالباحث يستطيع قراءة عشرات أو مئات الأوراق، لكن من الصعب أن يعيد فحص ملايين الصفحات وقواعد البيانات والمعادلات والقيم التجريبية.

أما أنظمة الذكاء الاصطناعي، فيمكنها فحص كميات ضخمة من المعلومات والبحث عن التناقضات والأنماط غير المعتادة، ثم إحالتها إلى الباحثين للتحقق منها، وهذا قد يغير طريقة تعامل المجتمع العلمي مع المعرفة القديمة.

فبدل أن تفترض الأجيال الجديدة أن كل ما ورد في كتاب مرجعي أو ورقة منشورة قبل عشرات السنين صحيح بالضرورة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في إعادة اختبار بعض هذه المعلومات.

من «حارس المعرفة» إلى مراجع المعرفة

على مدى عقود، كان نشر البحث العلمي وتحكيمه ثم الاستشهاد به كفيلًا بمنحه درجة من الثقة داخل المجتمع العلمي.

لكن العلم لا يصبح صحيحًا لمجرد أنه نُشر، فالنتائج يمكن أن تحتوي على أخطاء، والبيانات يمكن أن تنقل بصورة غير دقيقة، والأرقام يمكن أن تتغير مع تحسن أدوات القياس، والأخطاء المطبعية يمكن أن تتحول إلى معلومات متداولة في قواعد البيانات.

والذكاء الاصطناعي يفتح الآن إمكانية جديدة: مراجعة المعرفة العلمية نفسها بصورة دورية، وليس فقط مراجعة الأبحاث الجديدة.

لكن هذه الثورة لن تكون ناجحة إلا إذا ظلت هناك قاعدة أساسية: لا ينبغي أن نستبدل خطأ بشريًا قديمًا بخطأ آلي جديد.

فالآلة يمكنها أن تبحث أسرع، وتقارن أكثر، وتكتشف تناقضات يصعب على الإنسان الوصول إليها، لكنها تحتاج إلى العالم الذي يعرف كيف يختبر النتيجة ويضعها في سياقها.

وربما يكون المستقبل الأقرب للعلم ليس «الذكاء الاصطناعي بدل العلماء»، وإنما العلماء والذكاء الاصطناعي يراجع كل منهما الآخر.

Exit mobile version