في الوقت الذي يتزايد فيه اعتماد الباحثين على أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وكتابة الأوراق العلمية ومراجعة الدراسات، تنتقل التكنولوجيا إلى مرحلة أكثر حساسية: محاولة الحكم على جودة الأبحاث نفسها قبل نشرها.
وتطرح شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا العلمية أداة ذكاء اصطناعي تقول إنها قادرة على تقييم الأبحاث العلمية وفق معيارين أساسيين هما الأصالة وصحة النتائج، بعيدًا عن أسماء الباحثين أو شهرة المؤسسات أو مكانة المجلات العلمية التي يمكن أن تنشر فيها الأبحاث.
لكن هذه الفكرة أثارت جدلًا داخل المجتمع العلمي، إذ يخشى باحثون من أن يؤدي تصنيف الأبحاث بواسطة خوارزمية إلى خلق نظام جديد من «مؤشرات المكانة» بدلًا من القضاء على المشكلة، بينما يطرح آخرون سؤالًا أكثر جوهرية: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحكم بصورة موثوقة وشفافة على جودة البحث العلمي؟
أداة ذكاء اصطناعي لفحص الأبحاث قبل نشرها
طورت شركة QED Science، وهي شركة ناشئة مقرها تل أبيب، منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل المخطوطات العلمية قبل نشرها، وتركز بصورة خاصة على أبحاث علوم الحياة.
وتحاول الأداة تقييم ما إذا كانت الادعاءات التي يقدمها الباحثون مدعومة بالفعل بالبيانات والنتائج المعروضة في البحث، كما تبحث عن الثغرات أو نقاط الضعف الموجودة في الدراسة.
وتقول الشركة إن الأداة أصبحت متاحة للباحثين مجانًا، وإنها استخدمت حتى الآن من جانب أكثر من 10 آلاف مختبر في نحو 1500 مؤسسة موزعة على أكثر من 70 دولة.
وفي نوفمبر الماضي، أعلنت منظمة openRxiv، وهي المنظمة غير الربحية التي تدير خوادم الأبحاث الأولية bioRxiv وmedRxiv، أنها ستجرب نظام QED Science على منصة bioRxiv.
الذكاء الاصطناعي يختار أفضل 1% من 57 ألف بحث
في يونيو الماضي، استخدمت QED Science أداتها لتحليل وترتيب أكثر من 57 ألف بحث أولي نُشرت على bioRxiv خلال الفترة من مايو 2025 إلى أبريل 2026.
ومن بين 57,455 بحثًا جرى تقييمها، اختارت الأداة 574 بحثًا باعتبارها الأعلى تقييمًا، أي نحو أفضل 1% من المجموعة.
وقالت الشركة إن الاختيار اعتمد على تقييمها لمعياري الأصالة والصحة العلمية، دون النظر إلى هوية المؤلفين أو المؤسسات التي يعملون فيها أو المجلات التي قد تنشر أعمالهم، لكن هذه النتيجة أثارت نقاشًا واسعًا بين الباحثين.
هل نحتاج فعلًا إلى «أفضل 1%»؟
يرى منتقدون أن وضع 1% من الأبحاث في قمة تصنيف واضح قد يخلق نوعًا جديدًا من الندرة والتميز، ويضيف «شارة prestige» جديدة إلى البيئة الأكاديمية التي تعاني أصلًا من الاعتماد الكبير على المؤشرات والأرقام.
فالبحث الذي يظهر ضمن قائمة «أفضل 1%» قد يحصل على اهتمام أكبر من الباحثين والمؤسسات ووسائل الإعلام، وهو ما يمكن أن يحول التصنيف نفسه إلى معيار جديد للمكانة العلمية.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: الشركة تقول إنها تريد تجاوز نظام المكانة الأكاديمية القائم على شهرة المجلات والمؤسسات، لكن التصنيف نفسه قد يتحول إلى مؤشر جديد للمكانة إذا بدأ الباحثون والمؤسسات في التعامل معه باعتباره معيارًا لجودة الأبحاث.
كيف يحاول النظام تقييم صحة البحث؟
يقول نيف ماسبويم، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة QED Science، إن الشركة اتبعت نهجًا مختلفًا عن أدوات مراجعة الأبحاث التقليدية.
ويعتمد النظام على تدريبه باستخدام مصادر متعددة من البيانات، بينها المراجعات المفتوحة، وملاحظات المستخدمين، وبيانات اصطناعية.
لكن أحد العناصر التي تقول الشركة إنها توليها أهمية خاصة هو النتائج السلبية.
فالأدبيات العلمية تميل بصورة غير متوازنة إلى نشر النتائج الناجحة والإيجابية، بينما قد تكون النتائج التي لا تدعم الفرضية الأصلية أو تفشل في تكرار تجربة سابقة مهمة للغاية في تقييم قوة الادعاء العلمي.
وبحسب الشركة، يتعلم النظام من الدراسات التي أظهرت نتائج صفرية أو متناقضة، ومن محاولات تكرار التجارب التي فشلت، ومن أشكال أخرى من الأدلة التي لا تدعم الاستنتاجات المطروحة.
والفكرة هنا أن النظام لا يسأل فقط: هل توجد بيانات تدعم هذه النتيجة؟
بل يحاول أيضًا فهم: ما نوع الأدلة التي يمكن أن تفشل في دعم هذه النتيجة؟
كل ادعاء يحصل على درجة
تقول الشركة إن المنصة تحلل الادعاءات الموجودة داخل البحث، ثم تمنحها درجات مختلفة، وتشمل عملية التقييم أكثر من بُعد، من بينها الأصالة والصحة العلمية، بينما يتم تحديث النظام بصورة مستمرة اعتمادًا على ملاحظات المستخدمين.
وتصف QED Science المنصة بأنها مستقلة إلى حد كبير في عملية التقييم، مع الاستفادة من التغذية الراجعة البشرية لتحسين أدائها.
لكن هذه النقطة نفسها تثير سؤالًا مهمًا حول الشفافية: إذا كان الذكاء الاصطناعي هو الذي يمنح البحث درجة معينة، فكيف يمكن للباحث أن يفهم بالتحديد لماذا حصل بحثه على هذه الدرجة؟
فالخوارزمية قد تكون قادرة على اكتشاف أن ادعاءً ما ضعيف أو غير مدعوم بشكل كافٍ، لكن القيمة العلمية لا تكمن فقط في معرفة أن هناك مشكلة، وإنما في فهم أسبابها وكيف يمكن إصلاحها.
جواهر خفية في البحث العلمي
لم تكتف الشركة باختيار أفضل 1% من الأبحاث، بل حاولت اختبار مدى قدرة نظامها على اكتشاف أبحاث قد لا تحظى بالتقدير الكافي داخل النظام الأكاديمي التقليدي.
وفي تحليل منفصل، درست QED Science نحو 2879 بحثًا أوليًا نُشرت على bioRxiv في أبريل 2025، ثم نُشرت لاحقًا في مجلات علمية تخضع للتحكيم.
وقارنت الشركة تقييمات أداتها بمستوى المجلات التي نشرت فيها تلك الأبحاث.
وقالت إن الأداة صنفت 12.9% من هذه الأبحاث بدرجة أعلى مما قد يوحي به تصنيف المجلات التي نشرت فيها لاحقًا، وأطلقت الشركة على هذه الدراسات اسم الجواهر الخفية.
هل تفضل الخبراء حكم الذكاء الاصطناعي؟
لم تتوقف الشركة عند المقارنة الرقمية، بل استعانت بلجنة من الخبراء لتقييم الحالات التي ظهر فيها أكبر اختلاف بين ترتيب الأداة وتقييم المجلة.
وتمت عملية المقارنة بصورة معماة، بحيث لا يعرف الخبراء هوية الأطراف المرتبطة بالتقييم.
وقالت الشركة إن الخبراء، في 75% من المقارنات الحاسمة، فضلوا البحث الذي أعطته أداة QED Science تقييمًا أعلى.
لكن هذه النتيجة تظل جزءًا من تقييم أجرته الشركة نفسها لأداتها، وبالتالي تحتاج إلى اختبارات مستقلة وواسعة قبل اعتبارها دليلًا نهائيًا على تفوق الذكاء الاصطناعي على أنظمة التحكيم العلمي التقليدية.
هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المحكمين؟
ترفض الشركة تقديم أداتها باعتبارها المحكم العلمي النهائي، ويقول الرئيس التنفيذي إن QED Science لا تستهدف استبدال الحكم البشري، وإنما زيادته وتحسينه، عبر مساعدة الباحث على اكتشاف نقاط ضعف قد لا ينتبه إليها قبل نشر بحثه.
كما تؤكد الشركة أنها لا تقدم منتجاتها للمجلات أو الناشرين، وإنما تريد توفير خدمات مجانية للباحثين في بيئة خاصة وآمنة تساعدهم على تحسين أبحاثهم قبل نشرها.
وهذا الاستخدام يضع الذكاء الاصطناعي في موقع مختلف عن موقع المحكم التقليدي.
فبدل أن يأتي التقييم بعد إرسال الورقة إلى مجلة علمية، يمكن للباحث استخدام الأداة قبل النشر لاكتشاف نقاط الضعف وإجراء التعديلات اللازمة.
ماذا عن الـ99% الأخرى؟
يطرح تصنيف أفضل 1% سؤالًا لا يقل أهمية عن اختيار الأبحاث الفائزة: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الـ99% المتبقية؟
تقر الشركة بوجود هذه المشكلة، وتقول إن الهدف من القائمة لم يكن الإيحاء بأن بقية الأبحاث غير مهمة.
فقد توجد أبحاث علمية ممتازة ضمن النسب المئوية الأدنى، وربما يكون الفارق بين بحث وآخر في بعض الحالات صغيرًا أو مرتبطًا بالمعيار الذي يجري القياس وفقه.
ولهذا تقول QED Science إنها تعمل على إطلاق درجات متعددة لأبعاد متعددة بدلًا من الاعتماد على ترتيب واحد شامل.
وهذا التوجه قد يكون أكثر فائدة من وضع الأبحاث في سلم واحد، لأن البحث العلمي ليس مسابقة في بُعد واحد.
فقد يكون بحث ما شديد الأصالة، لكنه محدود في حجم العينة، بينما يكون بحث آخر أقل ابتكارًا لكنه شديد القوة من الناحية المنهجية أو يتمتع بقابلية عالية للتكرار.
هل يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج ثقافة «انشر أو اضمحِل»؟
تعاني البيئة الأكاديمية منذ سنوات من ضغوط مرتبطة بما يعرف بثقافة «انشر أو اضمحل»، حيث يؤثر عدد الأبحاث المنشورة ومكان نشرها والاستشهادات بها في المسار المهني للباحث.
ومن هنا تأتي المخاوف من أن يتحول تقييم الذكاء الاصطناعي إلى طبقة جديدة من الضغط.
فإذا أصبح الباحث يشعر بأن عليه الحصول على درجة مرتفعة من خوارزمية معينة حتى يُنظر إلى بحثه باعتباره مهمًا، فقد نكون انتقلنا ببساطة من عبادة مؤشرات المجلات إلى عبادة مؤشر خوارزمي جديد.
لكن الشركة تقول إن هدفها ليس خلق سباق جديد، وإنما تحسين جودة العلم نفسه.
وترى أن الباحث يمكنه استخدام الأداة لمعرفة أي الادعاءات أكثر هشاشة وأيها أكثر قوة، وما المعلومات أو التفسيرات الإضافية التي يحتاج إلى تقديمها قبل طرح نتائجه أمام المجتمع العلمي.
المشكلة ليست في قدرة الذكاء الاصطناعي فقط.. بل في طريقة استخدامه
المسألة الأساسية هنا لا تتعلق فقط بما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على قراءة آلاف الأبحاث بسرعة أكبر من البشر، هذه القدرة أصبحت واضحة بالفعل.
التحدي الحقيقي يتعلق بالسؤال: من يحدد معايير «البحث الجيد»؟
فالابتكار ليس دائمًا قابلًا للقياس بالطريقة نفسها التي تقاس بها صحة تجربة مخبرية.
كما أن بعض الأبحاث التي تبدو أقل أهمية في لحظة نشرها قد تصبح لاحقًا أساسًا لاكتشافات كبيرة.
والتاريخ العلمي مليء بأبحاث لم تحصل في بدايتها على التقدير الذي تستحقه، بينما حظيت أبحاث أخرى باهتمام واسع ثم فشلت نتائجها في الصمود أمام الاختبار والتكرار.
ولهذا فإن أي نظام آلي يهدف إلى ترتيب العلوم يحتاج إلى التعامل مع مشكلة جوهرية: العلم لا يتقدم دائمًا في اتجاه النتائج الناجحة أو الأكثر إثارة.
الذكاء الاصطناعي قد يكتشف الأخطاء.. لكنه لا يملك الكلمة الأخيرة
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم قيمة كبيرة للباحثين إذا استخدم كأداة مساعدة.
فبدل أن ينتظر الباحث حتى يكتشف المحكمون مشكلة في تصميم التجربة أو في تفسير النتائج، يمكن لنظام آلي أن يلفت انتباهه إليها مسبقًا.
وقد يساعد ذلك في تقليل الأخطاء، وتحسين صياغة الادعاءات، والكشف عن الثغرات، ومقارنة النتائج بالأدلة المنشورة سابقًا.
لكن تحويل هذه القدرة إلى حكم نهائي على قيمة البحث العلمي سيكون أكثر تعقيدًا.
فالتحكيم العلمي ليس مجرد مطابقة بين «الادعاء» و«البيانات»، وإنما يتضمن فهم السياق العلمي، وتصميم التجربة، وحدود المنهج، واحتمالات التفسير البديل، وقابلية النتائج للتكرار، وأحيانًا أهمية سؤال بحثي جديد لا يمكن تقديرها بسهولة عند لحظة نشره.
نهاية عصر المحكم البشري أم بداية مرحلة جديدة؟
من المرجح أن يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا أكبر في عملية تقييم الأبحاث خلال السنوات المقبلة، لكن السيناريو الأكثر واقعية قد لا يكون استبدال العلماء بالآلات.
بل قد يكون ظهور نموذج هجين: الآلة تفحص آلاف الادعاءات والبيانات بسرعة، والباحث يفسر السياق، والمحكم البشري يتخذ القرار النهائي.
وفي هذه الحالة، تصبح قيمة أدوات مثل QED Science في قدرتها على تقديم «طبقة إضافية» من التدقيق قبل النشر، وليس في منح ختم نهائي يقول إن بحثًا ما جيد أو سيئ.
أما فكرة اختيار «أفضل 1%»، فستظل بحاجة إلى التعامل بحذر.
فقد تكون مفيدة لاكتشاف أعمال تستحق الانتباه، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مؤشر مكانة جديد إذا تعامل معها المجتمع الأكاديمي باعتبارها تصنيفًا نهائيًا للجودة.
وفي النهاية، ربما يكون الاختبار الحقيقي لأي ذكاء اصطناعي يحاول تقييم العلم ليس قدرته على اختيار أفضل 1% من عشرات الآلاف من الأوراق، وإنما قدرته على الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة:
هل يستطيع اكتشاف البحث الذي يبدو عاديًا اليوم، لكنه سيغير العلم غدًا؟
