الكيمياء الخضراء تقرب خلايا البيروفسكايت الشمسية منخفضة السمية من الإنتاج

تقنية شمسية مرنة تعمل في درجة حرارة الغرفة وتستغني عن خطوات تصنيع ملوثة

تقترب تقنيات الخلايا الشمسية المصنوعة من البيروفسكايت من تجاوز أحد أبرز التحديات التي تعوق انتقالها من المختبرات إلى خطوط الإنتاج، مع تطوير طريقة تصنيع تستخدم مذيبات أقل سمية، وتعمل في درجة حرارة الغرفة، وتتيح طلاء المواد النشطة على أسطح خفيفة ومرنة، بما قد يفتح المجال أمام تصنيعها بصورة مستمرة وعلى نطاق صناعي.

وطوّر باحثون في جامعة سري البريطانية تركيبة حبر كيميائيًا أكثر أمانًا لتصنيع وحدات البيروفسكايت الشمسية، في خطوة تستهدف تقليل المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بالمذيبات المستخدمة تقليديًا، مع الحفاظ على كفاءة تحويل الطاقة وإمكانات التوسع في الإنتاج.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nano Energy ، وتُعد مواد البيروفسكايت من الخيارات الواعدة لتطوير الخلايا الشمسية إلى جانب الخلايا التقليدية المصنوعة من السيليكون، أو ربما استبدالها في بعض التطبيقات مستقبلًا. وتكمن إحدى مزاياها في إمكانية إذابتها ضمن أحبار ثم طلاء الأسطح بها، ما يسمح بإنتاج خلايا خفيفة الوزن ومرنة بدلًا من الاقتصار على الألواح الصلبة.

لكن تصنيع هذه الخلايا يواجه تحديًا مهمًا، يتمثل في اعتماد كثير من التركيبات المستخدمة على مذيبات خطرة تتطلب احتياطات خاصة في التعامل والتخزين والتخلص من النفايات، وهو ما يزيد تعقيد الإنتاج الصناعي وتكاليفه.

حبر أقل سمية يستغني عن مذيبات خطرة

طوّر فريق جامعة سري تركيبة تعتمد على نظام مذيبات وصفه الباحثون بأنه منخفض السمية بدرجة كبيرة، ويجمع بين الإيثانول و2-ميثيل تتراهيدروفوران، وهو مذيب يمكن إنتاجه من مصادر متجددة، بما فيها مخلفات الزراعة والغابات، إلى جانب كمية صغيرة من مادة مضافة أقل حدة للتحكم في كيفية تكوّن الطبقة النشطة داخل الخلية الشمسية.

وتستهدف التركيبة الاستغناء عن مذيبات شائعة في تصنيع البيروفسكايت، من بينها ثنائي ميثيل فورماميد (DMF)، وإن-ميثيل-2-بيروليدون (NMP)، والأسيتونتريل (ACN)، ويُصنّف عدد من هذه المذيبات ضمن المواد التي تثير مخاوف صحية، بما في ذلك مخاطر السمية الإنجابية.

وتبرز أهمية تقليل استخدامها مع التوسع الصناعي؛ إذ يشير الباحثون إلى أن إنتاج وحدات بيروفسكايت قادرة على توليد جيجاواط واحد من الكهرباء قد يستهلك أكثر من 90 ألف لتر من المذيبات على خط طلاء واحد.
ومن ثم، فإن استبدال المذيبات الخطرة يمكن أن يقلل العبء المرتبط بالتعرض المهني للمواد الكيميائية وإدارة المخلفات في منشآت التصنيع.

ولا يقتصر التحدي على اختيار مادة كيميائية بديلة، بل يشمل تطوير تركيبة قادرة على تكوين طبقة عالية الجودة، مع توافقها مع عمليات الطلاء والتجفيف ومتطلبات الإنتاج المتواصل.

الكيمياء الخضراء تقرب خلايا البيروفسكايت الشمسية

كفاءة تتجاوز 18% في وحدات مصغرة

لاختبار قابلية تطبيق التركيبة خارج نطاق الخلية المفردة، صنع الفريق وحدات شمسية مصغرة بلغت مساحة المنطقة النشطة فيها 11.5 سنتيمترًا مربعًا، وسجلت كفاءة لتحويل الطاقة تجاوزت 18%.

وذكر الباحثون أن هذه الكفاءة تضع الوحدات ضمن أعلى النتائج المعلنة لعمليات تصنيع البيروفسكايت القابلة للتوسع والأكثر مراعاة للسلامة الكيميائية. كما حافظت الوحدات على استقرارها أثناء اختبارات التعرض المستمر للضوء.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، إيثان رضاوي، من جامعة سري، إن الفريق يعمل على تطوير كيمياء مواد البيروفسكايت بالتوازي مع تصميم عملية التصنيع، مع مراعاة احتياجات الصناعة.

وأوضح أن انتقال أي تقنية من المختبر إلى بيئة التصنيع الفعلية يتطلب تقييم الأداء، إلى جانب المذيبات وظروف المعالجة والسلامة واستهلاك الموارد ومدى تعقيد الإنتاج.

وتظل نتائج الوحدات المصغرة خطوة في مسار التطوير؛ إذ لا تكفي وحدها لإثبات جاهزية التقنية للإنتاج التجاري واسع النطاق أو ضمان احتفاظها بالأداء نفسه في ظروف التشغيل الطويلة والمتغيرة.

طلاء في درجة حرارة الغرفة يمهّد للإنتاج المتواصل

صُممت الطريقة لتكون متوافقة مع التصنيع المستمر عالي الإنتاجية. إذ يُطلى الحبر عند درجة حرارة الغرفة، ثم يُجفف باستخدام تيار من الغاز، وهي خطوات يمكن تكييفها مع تقنية التصنيع بالدرفلة من لفة إلى لفة (Roll-to-roll)، التي تسمح بمعالجة مواد مرنة تمر عبر خط إنتاج متواصل، على نحو يشبه المبدأ المستخدم في طباعة الصحف بكميات كبيرة.

وأظهر الفريق إمكانية تطبيق العملية على أسطح مرنة، وهي إحدى المجالات التي قد تمنح فيها البيروفسكايت ميزة مقارنة بالألواح التقليدية الصلبة المصنوعة من السيليكون. وتشمل التطبيقات المحتملة أسطح المباني والأجهزة الإلكترونية المحمولة والألواح خفيفة الوزن المخصصة للاستخدامات الفضائية.

كما تستغني الطريقة عن خطوة تُعرف باسم «المذيب المضاد»، وهي مرحلة تُستخدم في كثير من وصفات تصنيع البيروفسكايت للمساعدة على تكوين الطبقة المطلوبة، وقد تتطلب إدخال مواد كيميائية إضافية.

ووفقًا للباحثين، فإن تجاوز هذه الخطوة والعمل في درجات حرارة منخفضة قد يقللان استهلاك الطاقة والمواد، ويبسطان مراحل المعالجة.

لكن مقدار الوفورات الفعلية في الطاقة والتكلفة والأثر البيئي يحتاج إلى تقييم شامل في ظروف الإنتاج الصناعي.

تقليل المخاطر والتكاليف المحتملة للتصنيع

قال رافي سيلفا، الباحث المراسل للدراسة ومدير معهد التكنولوجيا المتقدمة في جامعة سري، إن أهمية الابتكار لا تقتصر على استبدال مذيب خطر بآخر أقل سمية؛ فتبسيط خطوات الطلاء واستخدام مذيبات أسهل في التعامل يمكن أن يقللا الحاجة إلى تجهيزات مناولة المواد الكيميائية ومعالجة النفايات والبنية التحتية المخصصة للسلامة.

وأضاف أن هذه العوامل قد تتيح عمليات تصنيع أكثر إحكامًا وكفاءة في استخدام الموارد، وربما أقل تكلفة، للتقنيات الشمسية الناشئة.

ويرى الفريق أن الجمع بين تقليل المخاطر الكيميائية وتبسيط التصنيع قد يساعد على توسيع نطاق استخدام الخلايا الشمسية المصنوعة من البيروفسكايت، بما يدعم انتشار تقنيات الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات.

ومع ذلك، فإن وصف المذيبات بأنها أقل سمية لا يعني خلوها من المخاطر، كما أن استخدام مواد أولية من مصادر متجددة لا يثبت وحده أن دورة حياة المنتج بأكملها أقل أثرًا بيئيًا.

ويتطلب الحكم على الاستدامة التجارية للتقنية تقييمًا أوسع يشمل السلامة الفعلية للمواد، واستهلاك الطاقة، والمتانة، وإدارة النفايات، والأداء عند التوسع من الوحدات المصغرة إلى خطوط الإنتاج.

ويتمثل التحدي التالي في إثبات قدرة هذه الطريقة على الحفاظ على الكفاءة والاستقرار والجودة عند التصنيع بكميات كبيرة، وتحديد مدى جدواها الاقتصادية مقارنة بالمسارات التقليدية.

وإذا نجحت هذه الخطوات، فقد تصبح الخلايا المرنة المصنوعة من البيروفسكايت خيارًا إضافيًا لتوسيع تطبيقات الطاقة الشمسية خارج الألواح الصلبة المعتادة.

↑
Exit mobile version